المساعدات الإنمائية وفرص التنمية
عندما بدأ الاهتمام الدولي بموضوع التنمية الاقتصادية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بعدما نالت العديد من المستعمرات استقلالها وبرزت مشكلة الفرق في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بين الدول الغنية والدول الفقيرة، ظهرت دراسات ونظريات تبين أن مشكلة الدول الفقيرة هو انخفاض قدرتها على تكوين الدخل، وبالتالي على تأمين مدخرات مالية كافية للاستثمار في رأس المال الثابت والبنى التحتية المولدة للدخل والتنمية.
وفي حال عدم مساعدة هذه الدول على الاستثمار لأغراض زيادة الدخل، ستظل دولاً فقيرة ومتخلفة، لأن كل ما تستطيع تحقيقه من دخل يذهب لأغراض الاستهلاك الذي تتزايد حاجته بزيادة عدد السكان وتوسع أنواع الإنفاق الحكومي. لذلك عندما بدأت الأمم المتحدة اهتمامها بشؤون التنمية في ستينات القرن الماضي، طالبت الدول المتقدمة بضرورة تخصيص ما لا يقل عن واحد في المئة من إجمالي دخلها القومي كمساعدات إنمائية سنوية للدول النامية حتى تخرج من حلقة التخلف المفرغة التي تدور بها من خلال الاستثمار في رأس المال الثابت الذي يرفع من معدلات الدخل ويمكنها من تحقيق وفور مالية لاستخدامها في الاستثمار ثانية.
وعلى رغم الالتزام الشكلي الذي أظهرته الدول المتقدمة بوصية الأمم المتحدة تلك، إلا أن كلها تقريباً تخلفت عن تقديم النسبة المئوية الموصى بها. وتشير أرقام 2015 أنه باستثناء السويد (1.40 في المئة) والنرويج (1.05 في المئة)، ولوكسمبورغ (0.93 في المئة) والدنمارك (0.85 في المئة) والمملكة المتحدة (0.71 في المئة)، كانت نسب المساعدات الإنمائية في إجمالي الناتج المحلي للدول المتقدمة الأخرى منحفضة في شكل بلغ 0.22 في المئة في اليابان و0.21 في المئة في إيطاليا و0.17 في المئة في الولايات المتحدة و0.14 في المئة في كوريا الجنوبية و0.13 في المئة في إسبانيا و0.11 في المئة في بولندا. وبسبب تدني بعض هذه النسب إلى عُشر النسبة الموصى بها، بلغ مجموع المساعدات الإنمائية التي قدمتها 28 دولة متقدمة (باستثناء المساعدات التي تقدمها الدول النفطية الغنية في الشرق الأوسط وتركيا وروسيا) 132 بليون دولار في 2015. وإذا علمنا أن إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول بلغ في 2015 و2014، وفق الأرقام المتوافرة، 45.7 تريليون دولار، فإن معدل نسبة مساعداتها الإنمائية للدول النامية والأقل نمواً بلغ 0.3 في المئة فقط أي أقل من ثلث نسبة واحد في المئة الموصى بها.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما تعانيه هذه الدول من نزاعات وحروب داخلية وإقليمية تدفع جهود التنمية فيها عقوداً إلى الوراء وتفشي الفساد وغياب أصول الحوكمة السليمة والشفافية والمساءلة، يمكن تفهم أسباب تزايد الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين الدول الغنية من جهة، والدول النامية والأقل نمواً من جهة أخرى والتي باتت تهدد الدول المتقدمة نفسها بطرق مختلفة أقلها تزايد الهجرة غير الشرعية.
ويبدو أن مساعي الأمم المتحدة الحثيثة لإشراك الدول المتقدمة بهموم التنمية في بقية دول العالم، دفعها إلى المطالبة مجدداً، في إطار خطة التنمية المستدامة 2015 - 2030، بالمساهمة بـ 0.7 في المئة من إجمالي دخلها القومي سنوياً كمساعدات إنمائية للدول النامية و0.2 في المئة كمساعدات إنمائية إلى الدول الأقل نمواً أي ما مجموعه 0.9 في المئة. وإذا استطاعت الأمم المتحدة تحقيق هذه النسب فعلاً، سيبلغ حجم المساعدات الإنمائية (على أساس إجمالي الناتج المحلي للدول المتقدمة لعامي 2014 و2015) 3.2 تريليون دولار للدول النامية و0.9 تريليون دولار للدول الأقل نمواً أي ما مجموعه 4.1 تريليون دولار سنوياً. أي بزيادة نسبتها 3015 في المئة عن مقدارها الذي تحقق فعلاً في 2015 (132 مليون دولار) أو ما يعادل أكثر من ثلاثة آلاف ضعف.
وحتى لو افترضنا ثبات إجمالي الناتج المحلي للدول المتقدمة خلال الخمس عشرة سنة المقبلة (2016 - 2030) على مستواه في 2015 (وهو افتراض غير واقعي)، فإن حجم المساعدات الإنمائية التي ستستلمها الدول النامية والأقل نمواً سيبلغ 61.7 تريليون دولار. وإذا تحقق هذا الحجم من المساعدات فعلاً، ونجحت الأمم المتحدة في تطبيق كيفية إنفاق هذه المساعدات، كما جاء في الخطة، فهي ستغير فعلاً الوجه الاقتصادي والاجتماعي للعالم.
* نقلا عن صحيفة " الحياة "