.
.
.
.

التنمية الريفية عملاق اقتصادي نائم

هادي اليامي

نشر في: آخر تحديث:

جدل كبير صاحب إقدام شاب على إحراق شهادته، بعد قضائه سنتين يبحث عن وظيفة عقب تخرجه من إحدى كليات طب الأسنان في إحدى الدول المجاورة، ورغم حدة التصرف الذي أقدم عليه الشاب، وغرابته التي توقف عندها كثيرون، إلا أن ذلك قد يبدو للوهلة الأولى عاديا، لا سيما إذا أخذنا في الحسبان الحماسة التي يتصف بها الشباب، وردود الفعل الحادة التي تميز تصرفاتهم، ولهفتهم في الحصول على فرص عمل تحقق لهم رغباتهم في بناء مستقبلهم، وإنشاء أسرهم الخاصة. ومن منا لم يعش تلك الفترة الزاهية، ولا يتذكر تفاصيلها؟

لا أريد الخوض في تفاصيل سبب عدم حصول الشاب على وظيفة، وخوفه من العمل في مناطق طرفية، ولن أتطرق إلى ما تعانيه بعض مستشفياتنا، لا سيما في القرى والهجر من نقص حاد في أعداد الأطباء والطاقم الطبي، فهذه قضايا معروفة لا تحتاج إلى مزيد من الحديث، إلا أنني أشير إلى أن لدينا حاجة كبيرة لتحفيز شبابنا على العمل في تلك المناطق، لإمكانية حصولهم على خبرات تفيدهم في مستقبل حياتهم المهنية.

أقول لمن يرفضون الذهاب إلى تلك المناطق، إنهم لا يضيعون على أنفسهم مجرد وظيفة فقط، بل فرصا ذهبية للتعرف على تلك المجتمعات الصافية، فهذه المناطق الطرفية البعيدة، وإن كانت تعاني في بعض الأحيان من عدم اكتمال بعض الخدمات، إلا أنها تمتاز بمجتمعات مترابطة، يتعارف سكانها، ويتضامنون في السراء والضراء، يفتحون قلوبهم قبل بيوتهم للترحيب بالغريب قبل القريب.

ونحن نستشرف أجواء التطور والنهضة التي أوجدتها رؤية المملكة 2030، التي بشَّر بها قادتنا، فإننا نطمع في منح المناطق الحدودية ميزة إيجابية في برامج التنمية، وزيادة الاهتمام بها عما سواها، لأن ذلك يحمل عدة أوجه، فهذا الأمر من ناحية يحول دون الهجرة لبقية المدن والمناطق، وفي الوقت ذاته يخفف عن المدن الكبرى مثل الرياض وجدة والدمام أعباء الزحام السكاني الرهيب الذي باتت تعيشه. كما أن تشجيع التنمية في المناطق الطرفية يزيد احتمالات حدوث هجرة معاكسة، من المدن إلى الريف، بسبب فرص العمل المتزايدة التي ستوجِدها عملية التنمية والنهضة. كما أن فرص تحقيق مداخيل وعائدات ربحية ترتفع في تلك المناطق التي ما زال معظمها بكرا، لأنها بحاجة ماسة إلى مشاريع بنية تحتية، وهي مناطق تضم في جنباتها كثيرا من المقومات التي يمكن استثمارها لتحقيق عائدات ضخمة، وتحظى بعناصر إنتاج غير محدودة، تتفاوت بين الأراضي الزراعية الخصبة، والمياه المتوافرة، عن طريق الأمطار، إضافة إلى المواقع السياحية التي يمكن أن تستقطب ملايين الزوار سنويا، من داخل وخارج المملكة. فهي كنز ما زال مهملا، إذا نفضنا عنه الغبار وأوجدنا الفرص الموائمة لاستغلاله وتفعيله، فإن النتائج حتما ستكون مبهرة.

أذكر قبل سنوات عدة كانت بمعيتي عدد من الغربيين الذين أتوا إلى المملكة لإنجاز بعض أعمالهم في الرياض، وعندما استضفتهم في مسقط رأسي بنجران، وذهبت بهم إلى منطقة الأخدود التاريخية العريقة، ذهلوا وأصابتهم ما تشبه الصدمة، وقضوا معظم وقتهم فيه، لدرجة أنهم أصروا على العودة مرة أخرى إلى نجران –رغم مشغولياتهم وضيق وقتهم- وقضوا عدة أيام أخرى، التقطوا خلالها آلاف الصور الفوتوجرافية.
عناصر التميز ليست مقصورة على نجران فقط، فهي متوافرة ولله الحمد في معظم مناطقنا، لا سيما الحدودية منها، ويمكن استخدامها لتحقيق تنمية كبرى، وتوسيع قاعدة الإنتاج، فأسواق الجوار مفتوحة على مصراعيها أمام منتجاتنا الأخرى التي حققت سمعة طيبة، وباتت تنافس بقية المنتجات العالمية.

يبقى تأكيد أن الوهج الذي أحدثته رؤية المملكة 2030 ينبغي أن يُستثمر إلى أقصى مدى ممكن، لزيادة أدوات التنمية الاقتصادية، وتحقيق أرباح إضافية، وإيجاد الآلاف من فرص العمل التي ستعود على مجتمعنا خيرا ونماء وازدهارا.

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.