.
.
.
.

صناعة الترفيه في السعودية

عبدالله بن ربيعان

نشر في: آخر تحديث:

أثمرت زيارة ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان لأميركا، حتى كتابة هذه السطور، عن توقيع عقود استثمارات أجنبية كبيرة في السعودية، يأتي في مقدمها السماح لـ«داو كيمكال» العالمية في الدخول إلى السوق السعودية بنسبة تملك 100 في المئة، وإنشاء كلية الأمير محمد بن سلمان للإدارة وريادة الأعمال بالتعاون مع كلية بابسون وشركة لوكهيد مارتن، والتوقيع مع «سكس فلاقز»، لتدخل السعودية بصفتها مستثمراً أجنبياً في مجال الترفيه. بالتأكيد، المتتبع لحال الاستثمار الأجنبي في المملكة يرى حالاً لا تسر، فالاستثمار فُتح على مصاريعه في فترته الأولى، بحثاً عن بهرجة الأرقام، حتى دخل كل من هب ودب بصفته مستثمراً أجنبياً، ثم تغيرت الحال وحملت هيئة الاستثمار السلم بالعرض في عهدها الثاني، فلم يدخل أحد. ولأن الاستثمار الأجنبي اليوم ضرورة مع التحول الاقتصادي والرؤية الجديدة في السعودية تأتي الشراكات المعلن عنها في زيارة ولي ولي العهد أخباراً جيدة للاقتصاد السعودي، بعد توقف غير مبرر لجذب أية استثمارات تُمكن الإشارة إليها خلال السنوات الأخيرة في المملكة.

عودة للشركات التي أعلن عن نيتها دخول السعودية باعتبارها مستثمراً أجنبياً، والأولى شركة داو كيمكال، وهي شركة عملاقة وكبيرة في مجال البتروكيماويات وبعض الصناعات الأخرى. وقد يقول قائل إننا لا نحتاج إلى شركة بتروكيماويات تستفيد من الدعم الحكومي للصناعة لتنتج لنا ما تنتجه «سابك» و«كيان» و«سبكيم» وغيرها، وهذا قول صحيح، إلا أن ما نريده من الشركة الجديدة هو تطوير الصناعة وتعزيز القيمة المضافة في البتروكيماويات السعودية، فنحن - للأسف - نصدرها منذ 30 عاماً وأكثر مادة خاماً، ما يجعل أسعارها تقفز مع ارتفاع النفط وتنخفض بهبوطه، وهو ما يعني عدم إمكان الاعتماد عليها، باعتبارها مصدراً للدخل حينما تنخفض أسعار النفط، لأنها تسير معه ارتفاعاً وانخفاضاً، وبالتالي فالتركيز اليوم يجب أن يكون على تنمية وتعزيز القيمة المضافة للبتروكياويات وتحول تصديرها من مواد خام إلى مواد نصف مصنعة على الأقل، وهو ما تجب الاستفادة من تجربة «داو كيمكال» فيه. في ما يتعلق بكلية الأمير محمد بن سلمان للإدارة وريادة الأعمال، فأهم ما في إعلان دخولها هو رفع المنع عن دخول الجامعات والكليات الأجنبية للسوق السعودية، وهو أمر نتمنى أن يحدث أيضاً في قطاع الصحة، وأن يسمح بدخول مستشفيات أجنبية كبيرة للمملكة، فـ«الصحة» و«التعليم» لن يتطورا إلا بتعريضهما للمنافسةن وفتح السوق لجامعات وكليات ومستشفيات أجنبية كبيرة لدخول السوق السعودية، ولست أرى شخصياً أي مبرر لإغلاق هذين القطاعين أمام الاستثمار الأجنبي كل هذه السنوات.

الإعلان الثالث كان عن دخول «سكس فلاقز»، وهي شركة ترفيه أميركية جيدة المستوى، للسوق السعودية، باعتبارها مستثمراً أجنبياً هو الأول - بحسب علمي - في قطاع الترفيه وصناعة السياحة، والحديث عن الترفيه في السعودية ذو شجون ويحمل الكثير من المرارة والأسف، فالصناعة منسية ومفقودة وغائبة.

وقبل ثلاثة أعوام قُدرت لي زيارة الطائف، وزرت حديقة الملك فهد، بصفتها أكبر مرفق ترفيهياً في مدينة السياحة الأولى، ولم أستطع أن أمضي فيها أكثر من عشر دقائق، فالمياه مقطوعة، والمطاعم والبوفيهات تحولت إلى ملاجئ للقطط، والنظافة لا تسر ناظراً ولا زائراً! وكتبت عن زيارتي مقالة «الطائف مدينة السياحة المنسية»، وبحسب ما يصلني فالوضع اليوم أسوأ وأدهى. بشكل عام تعتبر صناعة الترفيه في السعودية صناعة بكر تحتاج إلى الكثير من الجهود لتستثمر وتدعم قطاع الخدمات وتوظف الشباب، وتسهم في استبقاء وزيادة تداول العملة داخل البلد، كما أن المملكة مترامية الأطراف متنوعة المناخ والتضاريس، وحبذا لو تم التفكير في خلق مدن للترفيه والتسوق والمنتجعات على سواحل البحر الأحمر أو الخليج العربي، (سبق أن تحدث الأمير محمد لـ«بلومبيرغ» عن جزر سياحية في أملج والوجه) لتكون وجهة للعائلات، يقضون فيها أياماً سعيدة بعيداً عن صخب المدن وزحام شوارعها. ختاماً، الترفيه ليس مدينة ألعاب أو فندقاً أو شققاً مفروشة فقط، بل هو صناعة متكاملة، يدخل فيها النقل والطيران والمطاعم والأمن والاتصالات وخدمات الشحن والتغليف وغيرها، ما يعني أن صناعة جديدة يمكن خلقها في السعودية من الصفر وبشكل مبتكر وجديد، ولعل دخول «سكس فلاقز» تكون الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل، لخلق صناعة ترفيه وسياحة سعودية تنافس في المنطقة والعالم.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.