.
.
.
.

ماذا بعد "بريكسيت" ؟

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

جاءت نتائج الاستفتاء في بريطانيا في 23 حزيران (يونيو) على عضوية المملكة في الاتحاد الأوروبي بمثابة صدمة للعديد من المتابعين ولمجتمعات الأعمال سواء في بريطانيا أو أوروبا أو عدد آخر من البلدان الرئيسة. لكن هل الأمر يستحق هذه الدراما، وهل كان على الأسواق المالية أن تنحدر بتلك المعدلات القياسية؟

قد تكون هناك تبعات على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت) وربما تتضرر مصالح قطاعات اقتصادية أساسية ومنها المصارف والشركات التي تعتمد على تصدير منتجاتها إلى السوق الأوروبية الواسعة، لكن في نهاية المطاف سيجد البريطانيون ونظراؤهم الأوروبيون صيغاً جديدة للتعامل تؤدي إلى تحقيق المنافع الاقتصادية المرجوة من تلك الأعمال. ولا شك في وجود عوامل ذات أبعاد سياسية واجتماعية دفعت كثراً من البريطانيين للتصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي قد لا تكون ذات صلة بالمسائل الاقتصادية. ويمكن أن يكون انتشار الثقافة العنصرية والمعادية للأجانب أدى دوراً محفزاً في تهيئة الذهنية المواتية للتصويت لصالح الخروج.

ربما أثارت ردود فعل الأسواق المالية وتراجع سعر صرف الجنيه الإسترليني بعد إعلان النتائج مخاوف لدى العديد من رجال الأعمال في الخليج وغيره خارج الاتحاد الأوروبي، وهي مخاوف مشروعة، لكن يجب ألا تؤثر على وضعية استثماراتهم، سواء في بريطانيا أو بقية بلدان الاتحاد الأوروبي. لا بد من أن هذه الاستثمارات تأثرت خلال السنوات الماضية بالأزمة المالية العالمية ومشاكل بلدان الاتحاد الأوروبي والديون السيادية وأوضاع المصارف هناك، لكنها تظل استثمارات مضمونة قانونياً وربما تتحسن في قيمتها خلال السنوات المقبلة.

يمثل الاتحاد الأوروبي كتلة اقتصادية مهمة إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي في 2015 نحو 14.6 تريليون يورو، ويبلغ متوسط الدخل السنوي للفرد هناك 28700 يورو. وسجل معدل النمو الاقتصادي 1.9 في المئة خلال 2015. ويضم الاتحاد تجمعاً سكانياً مهماً في العالم إذ تضم بلدانه الـ 28 أكثر من 508 ملايين شخص. ويُقدَّر عدد النمو السكاني في بلدان الاتحاد الأوروبي بـ 2.5 في المئة.

لكن ثمة حقائق اقتصادية مهمة تبين أن الاقتصاد الأوروبي مر بتحولات أساسية خلال العقود والسنوات الماضية بعدما أصبحت الخدمات تساهم بما يعادل 73 في المئة من قيمة الناتج في حين أن الصناعات التحويلية لا تمثل سوى 22 في المئة ولا تزيد مساهمة الزراعة على خمسة في المئة. وتؤكد هذه الحقائق بأن الميزات النسبية للقطاعات الاقتصادية الرئيسة في أوروبا تبدلت بموازاة المتغيرات التي جرت في بلدان أخرى في آسيا أو أميركا اللاتينية.

لكن ماذا تمثل بريطانيا في الاتحاد الأوروبي؟ يمثل الاقتصاد البريطاني خامس أكبر اقتصاد في العالم إذ تصل قيمة الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.8 تريليون دولار ويبلغ متوسط الدخل السنوي للفرد 41 ألف دولار، ويُتوقَّع أن يصل معدل النمو الاقتصادي لهذا العام إلى نحو 2.1 في المئة. وكما هي الحال في بلدان الاتحاد الأوروبي، أصبح الاقتصاد البريطاني اقتصاد خدمات إذ يساهم هذا القطاع بنسبة 78.4 في المئة من قيمة الناتج في حين لا تزيد مساهمة قطاع الصناعات التحويلية على 14 في المئة. ويُلاحَظ أن الصناعات التحويلية في بلدان الاتحاد الأخرى تمثل نسباً أقل تبلغ في ألمانيا 29 في المئة وفي فرنسا 18.3 في المئة.

ومعلوم أن كثيراً من الصناعات البريطانية فقدت ميزاتها النسبية في عقود طويلة وتحولت البلاد إلى اقتصاد خدمات متسارع النمو، وربما يكون ذلك من الأسباب التي عززت دور المهاجرين الآتين من بولندا ورومانيا والمجر وغيرها، الذين يقبلون بالتوظف في وظائف وأعمال قد لا يستسيغها البريطانيون أو لا يقبلون بمستويات الرواتب والأجور فيها التي تحددها مؤسسات الأعمال. ويظل قطاع النفط والغاز مهماً في الاقتصاد البريطاني إذ تطور إنتاج حقول نفط الشمال من مستويات متواضعة عام 1970 إلى ما يزيد على 4.5 مليون برميل يومياً في 2000 ثم انخفض تدريجاً ليصل الآن إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً.

لكن قطاع الخدمات المالية في بريطانيا يمثل أكثر القطاعات المالية حيوية في أوروبا، وربما العالم، إذ يساهم بنسبة 10 في المئة من الناتج، وهذا القطاع نشط في بلدان أوروبية عدة وغيرها من بلدان العالم ويملك صلات متميزة مع القطاع المالي في الولايات المتحدة. ويساهم القطاع المالي في شكل فاعل في الصادرات البريطانية. وسيتأثر القطاع بخروج بريطانيا من منظومة الاتحاد الأوروبي ويفقد الميزات التي تؤمنها الاتفاقات والشروط المتعلقة بالعضوية.

وثمة أموال مهمة عربية عموماً وخليجية خصوصاً، موظفة في بلدان الاتحاد الأوروبي، ولا شك في أن الأموال الموظفة في بريطانيا تمثل نسبة مهمة من التوظيفات العربية في الاتحاد. وبدأت بلدان خليجية توظف أموالها في بريطانيا، نتيجة للاتفاقات السياسية ومعاهدات الحماية، منذ بداية عصر النفط. وبدأت الاستثمارات الكويتية، مثلاً، عام 1953. يضاف إلى ذلك أن مستثمرين من القطاع الخاص في مختلف بلدان الخليج وعدد من البلدان العربية تمتعوا بتسهيلات مهمة عززت نزعة الاستثمار لديهم في المملكة المتحدة. ووظفت الصناديق السيادية في الصناعات في ألمانيا، كما وظف كثر من المستثمرين أموالاً مهمة في العقارات والمصارف في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. والمستثمرون العرب مدعوون بعد الاستفتاء، للحفاظ على الهدوء ومتابعة التحولات الاقتصادية المحتملة وقياس آثار تبدل العلاقات على أداء كل القطاعات.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.