علينا تَبني الابتكار وتقبل المخاطرة

خالد الرميحي
خالد الرميحي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

علينا تَبني الابتكار وتقبل المخاطرة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد

للمرة الأولى ومنذ عدة سنوات، توصلت دول مجلس التعاون الخليجي إلى قناعات بإحتمالية ظهور بيئة مستدامة لأسعار النفط المنخفضة، وبالنظر إلى استمرارية حالة عدم اليقين الاقتصادي على المستوى الدولي فقد قامت حكومات المنطقة باتخاذ عدد من الخطوات لإعادة النظر والهيكلة في اقتصادياتها. ومن أبرز الخطوات الادخار والنظر في سياسات إعادة هيكلة الدعم وتنفيذها.

وكانت البحرين، على غرار البلدان الأخرى في مجلس التعاون الخليجي، قد تناولت قضية الدعم وإعادة الهيكلة بشكل استباقي، حيث قامت بتشجيع الاستخدام الكفء واستهداف الفئات الأشد حاجة إلى الدعم، كما قامت الحكومة أيضاً بتنفيذ حزمة من الإصلاحات الإدارية كالحد من عدد الوزارات بمقدار الثلث تقريباً، والقيام بإصلاحات في قطاع الخدمات العامة لتوفير خدمات أكثر حداثة وكفاءة.

وتعتبر دول مجلس التعاون الخليجي في أمس الحاجة إلى مثل هذه التدابير وما تتواكب معها من جهود كي تضع اقتصادياتها على أسس قوية تضمن تحقيق الانتعاش الاقتصادي، ولكن لا ينبغي أن تقتصر النتيجة الأكثر أهمية في هذه الفترة الصعبة على المسؤولية ذات الطابع المالي فقط، وإنما ينبغي أن تتعزز الجهود نحو خلق بيئة تضع الابتكار، وريادة الأعمال والتنويع في قلب اقتصادها وتكسر اعتمادها على الموارد الطبيعية في نهاية المطاف.

وبالطبع، تقدر حكومات دول مجلس التعاون الخليجي الحاجة إلى المزيد من التنويع لسنوات عديدة، وبالفعل فقد تم إحراز تقدم كبير في هذا الاتجاه،فقامت المملكة العربية السعودية ومنذ فترة طويلة بتحريك قطاع تكرير النفط باتجاه مجالات أخرى مثل صناعات البتروكيماويات والبلاستيك والألمنيوم. وبالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة فقد أثبتت نفسها في قطاعي التصنيع والطيران، وقد طورت قطاع السياحة بشكل كبير، وفي ما يتعلق بمملكة البحرين، فيشكل القطاع النفطي حالياً مايعادل خمس الناتج المحلي الإجمالي، بحيث تقود قطاعات الخدمات المالية، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والسياحة النمو الاقتصادي في المملكة. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط معدل نمو القطاع غير النفطي في دول مجلس التعاون الخليجي نسبة 4% في عام 2016م بفضل هذه التدابير.

كما واتخذت خطوات كبيرة في سبيل تعزيز بيئة الأعمال داخل بلداننا وعبر الحدود، بما في ذلك مشروع التكامل الاقتصادي الذي قامت دول الخليج بوضعه منذ أكثر من 30 عاماً، والاتحاد الجمركي العربي الموحد الذي تم إنشائه العام الماضي والذي ساهم في جذب الشركات العالمية وتشجيع التجارة. وقد ساهمت التشريعات المطورة، مدعومة بالاستثمارات الضخمة في البنية التحتية في نمو التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون الخليجي من قرابة 15$ مليار دولار أمريكي في عام 2002 إلى أكثر من 120$ مليار دولار أمريكي في فترة قصيرة تزيد على عقد من الزمان.

وفضلاً عن ما نحظى به من ميزة الترابط كمنطقة، فنحن حالياً مرتبطون بالعالم أكثر من أي وقت مضى، حيث قمنا بتعزيز قدرة الناس، ورؤوس الأموال والأفكار بالتحرك عبر الحدود، مما ساعد على تعزيز التعاون والذي بدوره سيدفع إلى الابتكار وريادة الأعمال. ولكن علينا أن نكون واقعيين ونعترف أنه لا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله. فأولاً وقبل كل شيء، يجب أن يكون القطاع الخاص هو الدافع وراء النمو وليس الحكومات – وعليه علينا المضي قدماً في إزالة العراقيل أمام رجال الأعمال وخلق المساحات اللازمة التي تغذي أصحاب المشاريع والشركات الصغيرة والمتوسطة.

ويعني هذا خلق ثقافة تقوم على تشجيع الابتكار، وتقبل المخاطرة، وتسمح بالفشل وتنظر إليه على أنه خطوة نحو تحقيق النجاح في المرة المقبلة.

إن ارتفاع تكاليف بدء التشغيل ومحدودية الحصول على التمويل تَحول دون الابتكار وريادة الأعمال، إن البيئة التنظيمية لدينا والتي قمنا بتطويرها واضعين الشركات الكبرى في عين الاعتبار بحاجة للتكيف مع المشاريع والشركات الناشئة – فالعمليات الإدارية والتسجيل غالباً ما تكون عائقاً، وقوانين الإفلاس هي غامضة ولا تشجع على تقبل المخاطرة. لكن الخبر السار هنا أن الحكومات والقطاع الخاص قد بدؤوا العمل على تطوير حلول لهذه القضايا.


ففي دولة الكويت على سبيل المثال، قامت الحكومة مؤخراً بإطلاق الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة برأسمال يبلغ 6.6$ مليار دولار أمريكي، والذي يجري تنفيذه إلى جانب عدداً من الأنشطة لمساعدة رواد الأعمال في الوصول لبعض الخدمات كالإرشاد والتمويل. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة تم توجيه أكثر من 6.5$ مليون دولار أمريكي لأكثر من 50 شركة صغيرة ومتوسطة منذ إطلاق منصة التمويل التناظري "بي هايفBee Hive " في نوفمبر عام 2014م، حيث قامت بتوفير التمويل اللازم للوصول لتهيئة بيئة تُشجع على ريادة الأعمال.

أما مملكة البحرين، فتتمتع ببيئة عمل منافسة وداعمة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، حيث قام مجلس التنمية الاقتصادية في السنوات الأخيرة بجهود كبيرة لتعزيزها، كما تقدم منظمات مثل تمكين، وبنك البحرين للتنمية، وشركة "تنمو" ومركز البحرين لتنمية الصناعات الناشئة خدمات التوجيه والتمويل لأصحاب المشاريع.
وقامت شركة "سي 5 - اكسيلاريت" المحدودة في نهاية العام الماضي وبالتعاون مع شركة "آمازون ويب" ومجلس التنمية الاقتصادية بإطلاق مشروع لتسريع الأعمال عن طريق اعتماد تكنولوجيا "الحوسبة السحابية"، والذي يعتبر الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث اتخذ المشروع من مملكة البحرين مقراً له.

نحن نأمل ونؤمن بأن هذه التدابير ستنشىء جيلاً جديداً من رجال الأعمال في البحرين. وبالفعل بدأنا نرى تحولاً في عقلية العامة: ففي دراسة أعدتها شركة إيرنست ويونغ وجدت أن 70% من الشباب البحرينيين كان مهتماً في فكرة بدء مشاريعهم الخاصة، أي مايعادل ضعفي أي دولة في مجلس التعاون الخليجي.

يتمثل التحدي الكبير لمجلس التنمية الاقتصادية، والهيئات المعنية بالاستثمار والحكومات في جميع أنحاء المنطقة في توفير منصة يستطيع من خلالها الشباب تحديد أفكارهم وتحقيق طموحاتهم. وسوف تمثل أعمالهم لبنات لبناء اقتصاديات متنوعة ومستدامة، لا تعتمد في دعمها على القطاع النفطي العام أو المؤسسات الحكومية. مع الأخذ بعين الأعتبار من أننا نقدر بأن المحصلة النهائية هي أهم نتائج انخفاض أسعار النفط بالنسبة لنا جميعاً.

* الرئيس التنفيذي لمجلس التنمية الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.