.
.
.
.

المصارف الدولية والتفاسير الملتوية للقوانين

زياد محمد الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

المتتبع لسير التحقيقات التي تجريها السلطات الأمريكية مع مصرف بي إن بي باريبا يجد أن دفاع المصرف قدم وثيقة قانونية من محامي المصرف عام 2004 تجيز للمصرف التعامل مع (الدول الإرهابية) طالما كان الموظفون الذين يقومون بالتعاملات المالية خارج الولايات المتحدة. طلب المصرف استشارة قانونية للتعامل مع الإرهابيين ومن ثم تقديم المخرج لهم من مكتب المحاماة المنحط هذا مؤشر على مدى التواء عقول القائمين على كليهما.

كيف يمكن لمؤسسة قانونية تقديم مخرج لمصرف منحط عقد النية على التعامل مع دول اتخذت الإرهاب سياسة ممنهجة؟ وهذا المثال الواقعي مؤشر آخر على المستوى الهابط لكثير من المصارف الدولية ولمكاتب المحاماة على حد سواء. إن مجرد تعامل مكاتب المحاماة مع من يطلب مثل هذه الاستشارات فضيحة في حد ذاتها، فكيف يمكن توصيف الأمر حين تقدم المخارج القانونية لمثل هذه الطلبات المريضة. التحقيقات جارية، والمؤشرات كلها تشير إلى أن المصرف سيعترف بانخراطه في الإجرام، أما مبلغ الغرامة المتوقعة فستكون في حدود عشرة مليارات دولار وقد يفقد المصرف رخصة العمل في الولايات المتحده في أسوأ الظروف، ما يعني انهيار عملياته الدولية.

لا أشك في أن العالم سيكون في واقع أكثر سلاما دون وجود مثل هذه المصارف ومكاتب المحاماة التي تلهث وراء المال من أي مصدر وبأي كيفية، وتبلغ الوقاحه قمتها حين يسعى كلاهما لإسباغ صبغة قانونية على العمليات المالية المجرمة. لم توضع القوانين لاختبار مدى قدرة المحامين على الالتفاف عليها، كما لا تعطى التراخيص المصرفية للتكسب من الإرهابيين. وهذه الحالة ليست الأولى، فقبل ذلك تبجح القائمون على "ستاندارد تشارتارد" بأن القوانين الدولية غير واضحة في مدى التعامل مع الدول الإرهابية، المصرف نفسه قام بعمليات مالية تقدر بـ 250 مليار دولار لمصلحة إيران. وغيرها مصارف كثيرة تخضع للتحقيقات لقيامها بأعمال مشابهة. والمشكلة الحقيقية ليست في انعدام وضوح القوانين، بل المشكلة في انعدام أخلاق القائمين على المؤسسات المالية الدولية ومكاتب المحاماة التي لا تجد ضيرا في لي القوانين والأنظمة المحلية والدولية في سبيل حفنة من الأموال.

إن تسهيل التعاملات المالية للدول والمنظمات الإرهابية وعصابات الاتجار بالمخدرات والقتلة المأجورين، والكذب والتدليس في بيع منتجات مصرفية لا يمكن فهمها وتعمد التزوير والتأثير في أسعار الفوائد وغيرها الكثير من الممارسات المنحطة، كلها مؤشرات على أن الوسط المصرفي الدولي في حاجة ماسة إلى تطهيره ممن لا ضمير ولا خلق له. أحد المصرفيين أرسل رسالة لرئيسه يصف أحد المنتجات التي نجح في بيعها بأقذر الأوصاف، ثم أكد في الرسالة نفسها على المضي قدما في تحقيق المستويات المستهدفة في بيع المنتج نفسه، ونص التحقيق موجود ومنشور.إلى هذه الدرجه بلغ الاستخفاف بعقول العملاء. إن العمل المصرفي عمل أخلاقي في صميمه وأساسه، ومتى انعدمت أخلاق القائمين عليه فالنهاية ستكون مأساوية بلا شك، كما تثبت ذلك الوقائع التاريخية المتتالية.

إن أزمة الرهونات العقارية وما نتج عنها من انهيارات مصرفية عميقة أودت بالاقتصاد العالمي إلى حالة ركود ما زال يعانيها العالم. إماطة اللثام عن ممارسات إجرامية لا تدل سوى على تغلغل الرذيلة في نفوس القائمين على كثير من المصارف الدولية. لا يمكن أن يستقر العالم ماليا واقتصاديا إلا بتصحيح واقعه ومفاهيمه وأهداف القائمين عليه، فالتربح ليس بكل وسيلة وثمن. كما لا يمكن القبول بأن تكون مكاتب المحاماة وسيلة للالتفاف على القوانين، فهذا أمر أقل ما يمكن وصفه به خيانة الأمانة. لا بد من العمل على إرجاع المصارف ومكاتب المحاماة إلى جادة الصواب، ومهما كلف الأمر.

*نقلا عن الإقتصادية

http://www.aleqt.com/2014/06/12/article_856667.html

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.