.
.
.
.

لا مصلحة للبنان في تغيير سعر صرف الليرة

ذكاء مخلص الخالدي

نشر في: آخر تحديث:

في برنامج تلفزيوني تناول الوضع الاقتصادي في لبنان والمعضلة التي تواجهها الحكومة في توفير الموارد المالية لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، طرح أحد الاقتصاديين المشاركين فكرة تغيير سعر صرف الليرة اللبنانية بحيث تصبح 1000 ليرة للدولار الواحد بدلاً من سعره الحالي والبالغ 1500 ليرة. وجذب الاقتراح اهتمام مقدمة البرنامج وتمنت الحصول على تفصيلات أكثر عنه. ورغبت في تناول الموضوع في مقالة صحافية في حال ورود الفكرة ذاتها على خاطر مختصين آخرين.

وسأناقش الموضوع من خلال طرح سؤالين والرد عليهما: الأول، هل هناك منافع اقتصادية يمكن أن يجنيها لبنان من هذا التغيير؟ والثاني: هل هناك ما يستدعي تغيير سعر صرف الليرة اللبنانية في الوقت الحاضر؟

سأبدأ بمناقشة الاقتراح الذي طرح في البرنامج التلفزيوني وهو تغيير سعر صرف الليرة في مقابل الدولار من 1500 إلى 1000 ليرة. يعني هذا التغيير رفع سعر صرف الليرة تجاه الدولار. ففي وقت يتم شراء 1500 ليرة بالدولار الواحد، يصبح الأخير بعد التغيير لا يشتري إلا 1000 ليرة.

وعليه فإن الشخص الذي يستلم دخله بالدولار والسائح الذي يأتي لزيارة لبنان والمستورد الأجنبي الذي يريد شراء صادرات لبنانية، عليهم جميعاً أن يدفعوا دولارات أو ما يعادلها من عملات أجنبية أخرى أكثر لشراء السلعة ذاتها التي يشترونها الآن بالسعر الحالي لليرة. فالسلعة التي سعرها الحالي 1500 ليرة يدفع المشتري دولاراً واحداً لشرائها. ولكن عندما يصبح الدولار مساوياً لـ 1000 ليرة على الزائر الأجنبي والمستورد للسلع اللبنانية دفع دولار ونصف دولار أي 50 في المئة أكثر من السعر الحالي. وكذلك الحال بالنسبة للمغتربين الذين يحولون مبالغ لعائلاتهم. فعليهم رفع قيمة ما يبعثوه شهرياً بمقدار 50 في المئة حتى تبقى على مستوى معيشتهم الحالية ذاته وهي زيادة غير قليلة.

بالنسبة لتأثير زيادة قيمة الليرة في الديون القائمة بالليرة بين الأشخاص الطبيعيين والمعنويين أو بين مكونات كل فئة منهما، فيستفيد المقرض أو الدائن ويتضرر المقترض أو المدين. فالدَين الذي قيمته حالياً 150.000 ليرة أو 100 دولار تصبح قيمته 150 دولاراً. أما الديون المبرمة بالدولار فتبقى كما هي.

ومن المتوقع جداً أن يشجع رفع سعر صرف الليرة الأشخاص الذين يملكون أرصدة بالليرة اللبنانية إلى زيادة الطلب على الدولار والعملات الأجنبية الأخرى أي تحويل أرصدتهم من ليرة إلى دولار وتحويلها إلى الخارج. كما قد يشجع الوضع أصحاب الأرصدة بالعملة الأجنبية إلى سحب أرصدتهم وتحويلها إلى بلد آخر بعد أن تبدأ ثقتهم تهتز بالاستقرار النقدي. أما موارد الموازنة الحكومية فستنخفض لأن الدولار الذي تستبدله الخزينة الآن بـ 1500 ليرة سيجلب لها بعد رفع سعر صرف الليرة 1000 ليرة فقط. وعليها أن تبحث عن موارد إضافية لتمويل نفقاتها.

أما الجانب الإيجابي لرفع سعر صرف الليرة فهو انخفاض أسعار الواردات مقومّة بالليرة، بحيث تصبح السلعة التي قيمتها دولار في بلد المنشأ مساوية لـ 1000 وليس 1500 ليرة. وتستفيد من هذا الانخفاض الصناعة المحلية المعتمدة في موادها الأولية على الاستيراد من الخارج. كما يستفيد المستهلكون عموماً. لذلك يعتبر رفع سعر صرف العملة المحلية تجاه العملات الرئيسية إحدى أدوات السياسة الاقتصادية لخفض معدلات التضخم من خلال تقليص معدل التضخم المستورد.

وإذا عكسنا الأمر وقلنا لماذا لا يخفض سعر صرف الليرة بحيث يصبح الدولار مساوياً لـ 2000 ليرة مثلاً عوضاً عن 1500 ليرة فسيؤدي الأمر إلى عكس النتائج أعلاه. فالانخفاض في سعر صرف الليرة سيشجع السياحة والصادرات ويشجع تحويلات المغتربين ورغبتهم في شراء الموجودات في لبنان وبالذات العقارات، كما تزداد رغبة الأجانب في التملك في لبنان وتزداد إيرادات الحكومة. وعلى مستوى الديون القائمة بالليرة فسيتضرر الدائن أو المقرض بينما يستفيد المقترض أو المدين.

أما النتيجة السلبية فهي ارتفاع معدلات أسعار السلع المستوردة. وبذلك تتضرر الصناعة المحلية المعتمدة على المواد الأولية المستوردة ويتضرر الأفراد عموماً. وستواجه الحكومة معضلة التعامل مع ارتفاع معدلات التضخم ومطالبة الموظفين والعمال بزيادة الرواتب والأجور.
ولكن هل هناك ما يستدعي تغيير سعر صرف الليرة في الوقت الحاضر؟

لا بد من التذكير أولاً بأن سعر صرف العملة ليس هدفاً بحد ذاته وإنما وسيلة لتحقيق أهداف أخرى. فعندما يتغير سعر الصرف صعوداً أو نزولاً، سيكون للتغيير آثار إيجابية على بعض جوانب الاقتصاد وسلبية على بعضه الآخر. فإذا كانت هناك أهداف اقتصادية ملحة تريد الحكومة تحقيقها من تغيير سعر الصرف، على السلطة النقدية تقويم هذه الآثار بعناية لتحديد مدى ضرورة التغيير واتخاذ الإجراءات المناسبة لمواجهة آثاره السلبية.

من جهة أخرى، ليس حكيماً، إذا لم تكن هناك أهداف اقتصادية ملحة تتطلب تغيير سعر الصرف، التلاعب به خصوصاً في بلد مثل لبنان. فالوضع الاقتصادي والسياسي هشّان ومشرعان على المؤثرات الخارجية كافة، ما يستوجب عدم التورط بإجراءات تعرضه لضغوط إضافية، خصوصاً أن سعر صرف الليرة الحالي لا يدعمه اقتصاد قوي وإنما يدعمه حجم التدفقات المالية إليه من الخارج على شكل تحويلات مغتربين وودائع. ويتطلب ضمان استمرارها الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة في الوقت الحاضر.

• نقلا عن الحياة

http://alhayat.com/Opinion/Writers/2900263/

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.