.
.
.
.

"اختبار الذخيرة الحية"

عصام الجردي

نشر في: آخر تحديث:

في انتظار موافقة مجلس إدارة المصرف المركزي الأوروبي على نتائج اختبارات الضغط التي تولتها سلطة المصارف الأوروبية بالتنسيق مع المصرف، وشملت 130 مصرفاً كبيراً في منطقة اليورو، يمكن القول إن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من التحديات تضاف إلى سلسلة أخرى منها شهدناها في السنوات الثلاث الأخيرة . وكان أبرزها تداعيات أزمة ،2008 ومشكلة الديون السيادية وأزمة المصارف والقطاعات المالية في الذات . ذلك أن منطقة اليورو تعاني ضغوطاً من نوع آخر تتعلق بالركود الذي لحق بأكثر من دولة بما في ذلك الثلاث الكبيرة في المنطقة فرنسا وإيطاليا وألمانيا نسبياً . المعلومات الأولية التي أعلنت عن الاختبارات (كتب المقال قبل إعلان النتائج النهائية)، فشل 24 مصرفاً في اختبار كفاية رأس المال . من بينها مصارف إيطالية وألمانية ويونانية وبلجيكية وسلوفينية . أضيف لاحقاً أحد المصارف الإسبانية.

لن تعبر نتائج الاختبارات بلا تداعيات سلباً أو إيجاباً . المصرف المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية يدركان حكماً حساسية توقيت الاختبارات . لكن خياراتهما كانت قليلة في ضوء نقص الإفصاح والشفافية في اختبارات سابقة تبعها إفلاس أكثر من مصرف أوروبي . هدف الاختبارات الرئيسي يخفي حجم القلق الذي يساور المصرف المركزي الأوروبي والمفوضية . إذ تركز على مدى قدرة المصارف الأوروبية الكبيرة على جبه أزمة مالية واقتصادية أخرى على غرار أزمة 2008 ومدى انكشافها على الديون الحكومية.

لذلك جاءت مكونات الاختبارات ومنهجيتها لمراجعة جودة أصول المصارف ومستويات النقص في رساميلها وأموالها الخاصة في حال أزمة مقبلة، في عملية ضخمة غير مسبوقة شارك فيها ألوف من الخبراء من بينهم 5 آلاف من مؤسسات خاصة، درسوا نحو 119 ألف ملف من القروض . وقاموا بتحليل ميزانيات المصارف وتوصلوا إلى وجود نقص في رساميل المصارف التي فشلت في الاختبارات . وبينما نقل عن المفوضية المصرفية الأوروبية أن المصارف المعنية قد تحتاج إلى نحو 25 مليار يورو لتلاقي متطلبات الرساميل والأموال الخاصة في حالات الأزمة، توقعت الصحف الأوروبية أن تكون المتطلبات أكبر بكثير . وقد تم درس الأرباح المصرفية المتوقعة في حالات الأزمة فتبين احتمال نقص بواقع 20 في المئة بعد احتساب الضريبة . وهو تراجع كبير بكل المعايير.

وجه الاختلاف بين تجارب الضغط الأخيرة وبين التجارب السابقة أيضاً، لا يقتصر على مكونات الدرس ومنهجيتها فحسب، بل لأن المصارف التي لن تلبي متطلبات الرساميل والأموال الخاصة من أموال مساهميها في فترة قيل إنها 9 شهور مقبلة، ستواجه الإقفال وتبعاته المالية والقانونية . أي لا خطط دعم من المواطنين ومكلفي الضريبة على غرار خطط سابقة كانت تكلفتها أكثر تريليونات يورو . بيان المفوضية الأوروبية المقتضب الذي صدر بعد نتائج الاختبارات الأولية صيغ بلهجة صارمة: سنقوم بإجراءات المتابعة ولا مجال للتهاون ونتائج الاختبارات حاسمة.

من نتائج اختبارات الضغط الأولية نستخلص:

أولاً: أن حلول مشكلات منطقة اليورو وتعقيداتها البنيوية أتخمت من أموال الخزانات الحكومية ولا مزيد . حين يصل مصرف مركزي إلى حد طلب زيادة المخصصات المالية للمصارف في مقابل الديون الحكومية للبلدان التي يمثلها المصرف والتي أنقذت أكثر من دولة من براثن الإفلاس، يعني بلوغ الجسد الأوروبي ما يسمى طبياً "الاشتراكات" . فما ينفع لاستطباب الوضع المالي يضر بالوضع المصرفي والثقة الائتمانية.

المصرف المركزي الأوروبي المعين مجلسه من حكومات أوروبية، يوجه رسالة الآن إلى الحكومات نفسها مفادها "أقوم بمهمتي الحفاظ على القطاع المصرفي والاستقرار النقدي، وإرساء سياسة فوائد صديقة للنمو ومناوئة للتضخم والبقية عليكم" .

ثانياً: اختبارات الضغط بنيت على أساس ميزانيات المصارف الموقوفة في نهاية 2013 - 2014 غير مشمولة . وكانت سنة سلبية على اقتصاد منطقة اليورو ستترك أحمالها على أداء المصارف وموجوداتها . إلى ذلك، فقد أخطرت المصارف سلفاً باختبارات الضغط . وكان لديها مساحة ولو ضيقة لمعالجة بعض محافظ القروض المشكوك في تحصيلها وتخصيص مؤونات لها . وربما تحسين الأموال الخاصة وزيادة رساميلها استعداداً للاختبارات . قيل حتى الآن إن بعض المصارف الإيطالية كان الأضعف . ظني أن إعلان العلامات النهائية فيه مفاجآت .

ثالثاً: كل التركيز في منطقة اليورو على تحريك قطاع التسليف لاقتصادات المنطقة للخروج من الركود المصحوب بتضخم سالب وفوائد شبه صفرية . لو سلمنا بأن المصارف جاهزة للتسليف بالرغم من مشكلات بعضها، من يضمن أن الشركات والمستثمرين راغبون في القروض في مناخ من تراجع الثقة والقلق من الركود؟

رابعاً: حجم مشكلات منطقة اليورو يعيدنا دائماً إلى ضعف الهيكل . والحلول تفترض العكس . لم تحسم ألمانيا بعد موقفها المتحفظ على الاتحاد المصرفي . وقد نقلت الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا في برلين للنظر في التشريع الذي أقره مجلس النواب الأوروبي في أيار/ مايو الماضي . ورغم حسم معالجة ملف المصارف من ضريبة تجبى من مصارف المنطقة ما زالت ألمانيا تعتبر الاتحاد الذي لن ينطلق قبل 2018 انتقاصاً من سيادة الحكومات ويستدعي تعديلاً في الاتفاقات الأوروبية.

*نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.