.
.
.
.

"المركزي الكويتي" يغير مبناه.. فأي تغيير ينتظر سياسته؟

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن بنك الكويت المركزي يدخل مرحلة جديدة مع انتقال مقره الى برج جديد ضخم وسط الحي المالي في العاصمة الكويتية، بعد أن كان مقر "المركزي" في مبنى صغير وقديم. البرج الذي يطل على البحر، يقع على مساحة تقارب 26 ألف متر مربع وارتفاع 235 مترا بـ44 طابقا. ولطالما كان تشييد المباني الشاهقة نذير شؤم للاقتصادات لإعطائها إشارات على أزمات قادمة. هكذا كان الوضع على سبيل المثال في الكويت، حيث بدأ التخطيط وتشييد كثير من الأبراج الشاهقة في سنوات الطفرة منذ العام 2003 إلى أن أتت أزمة 2008 وأنهت أحلام الصعود إلى القمم.

الحال نفسه تكرر مع برج "المركزي" الذي بدأ التخطيط له قبيل الأزمة، لكن الأزمة جاءت وأضرت بمكونات مهمة في القطاعين المالي والمصرفي، أما الأوضاع الحالية في القطاعين المصرفي والمالي تبدو "تقنيا" أفضل.

استراتيجية متحفظة

فعلى مقربة من البرج يقع شارع المصارف، الذي يشتكي المسؤولون فيه من سياسة مركزية متشددة في الائتمان والرقابة، وهي سياسة اتبعها "المركزي"، على ما يبدو، كردة فعل على "انفلات الاقراض" في القطاع المصرفي قبيل الازمة، وأدت الى شطب قروض بما يقارب 10 مليارات دولار، ومثلها مخصصات محجوزة لدى البنوك مقابل قروض مشكوك في تحصيلها، وهي أموال حُرم منها المساهمون في البنوك بسبب سياسات غير حصيفة لاداراتها أيّام الأزمة.

ولا يخفي محافظ البنك د. محمد الهاشل سياسته المتحفظة التي يكررها في كل مناسبة عبر بياناته الصحافية أو الخطابات التي يلقيها في المؤتمرات، واخرها أمس في الافتتاح الرسمي للمبنى الجديد، حيث كرر بأكثر من موضع عبارات الاحتراز والتحوط، بل ذهب أكثر من ذلك بالإشارة الى انه "مع عولمة الاقتصادات وتنوع الأدوات وثورة الاتصالات، أصبحت الأزمات المالية جزءا ملازما للواقع الاقتصادي العالمي المعاصر..لذا يسعى البنك المركزي سعي الحصيف لدرء نشوء الازمات المالية والتحوط لها". يعطي ذلك إشارة واضحة الى استمرار استراتيجية "المركزي"المتحفظة، لانه على ما يبدو مقتنعا أن ثمة أزمات على الأبواب دائما، وأنه عليه الاستمرار في هذا النهج الذي يحمي ظهره من الضربات المالية أولا والسياسية من خلفها.

تحديات السياسة النقدية

فالمركزي الكويتي عانى سابقا من تبعات سياسية في حقبة المحافظ السابق، الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح، بدأت بهجوم نيابي على زيادات الفوائد على قروض المواطنين بنحو 11 مرة قبل الازمة المالية، ما دفع البرلمان الى الضغط على الحكومة لانشاء صندوق لتعويض المتضررين من فوائد القروض، ثم لاحقا عانى "المركزي" من كشف صحيفة "القبس" الكويتية عن تلقي نواب ملايين الدنانير على شكل ايداعات حكومية، أدت لتغيير جذري في "المركزي" والحكومة والبرلمان معا قبل 5 سنوات، ومازالت التداعيات حتى الان.

لكن استراتيجية "المركزي" المتحفظة أمام تقلبات السياسة الكثيرة في الكويت، وتقلبات الاقتصاد خصوصا بعد أزمة انخفاض أسعار النفط، لا تخفي تحديات يواجهها القطاع المصرفي الذي ينمو الائتمان فيه ببطء شديد، وسيضغط على أرباح البنوك عاجلا أم آجلا، وآخر البيانات كشفت عن نمو بـ0.5% على أساس شهري في فبراير، وبـ3.29% على أساس سنوي، وهو من بين الأبطأ في 5 سنوات.

ورغم تخطي بعض البنوك نسبة 200% للمخصصات مقابل القروض المشكوك في تحصيلها، إلا أن سياسة أخذ المخصصات مستمرة وتضغط على الأرباح هي الأخرى. وخلف تلك التحديات المتعلقة بالقطاع المصرفي، ثمة تحديات متعلقة بالسياسة النقدية نفسها، فالدينار ينخفض سنة بعد أخرى أمام الدولار، فمنذ استلام الإدارة الجديدة للمركزي في العام 2012 انخفض الدينار 8% أمام الدولار، وهو بنفس الوقت يتذبذب امام العملات الرئيسية نتيجة تقلباتها.

وانتقد مؤخرا تقرير لشركة بيان للاستثمار اللحاق المستمر للمركزي الكويتي برفع الفائدة الأميركية رغم ارتباط الدينار بسلة عملات، لكن المركزي يرد دائما أن لحاقه بالفائدة الأميركية غرضه المحافظة على تنافسية الدينار أمام الدولار.

السياسة المالية

وهناك عوامل خارجية مثل الاختراقات الأمنية للجهاز المصرفي، حيث تم اختراق مصرفين هذه السنة من قبل "هاكرز" خارجيين، ووُضعت الثقة بأمن المعلومات والسرية المصرفية للعملاء على المحك. وهناك أيضا أمور تؤثر في السياسة النقدية مثل التضخم الذي يواصل ارتفاعه مقتربا من 4%، والسبب الرئيسي كما تقول وحداث الأبحاث المحلية، هي زيادة الرسوم الحكومية الجديدة وزيادة أسعار البنزين التي فرضتها ازمة انخفاض أسعار النفط، والسياسة المالية من خلفها التي اتجهت الى رفع الأسعار على المستهلكين وتقليل الدعم.

وتفضل الإدارة الحالية للبنك المركزي الابتعاد عن أي إشارة تنتقد السياسة المالية للبلاد، على عكس الإدارة السابقة، حيث أرجع المحافظ السابق استقالته لأسباب متعلقة "بأخطاء السياسة المالية للدولة وتضخم المصروفات العامة في الميزانية مقارنة مع المصروفات الاستثمارية، وهو ما يعيق المركزي في تنفيذ سياسته النقدية"، على اعتبار أن يدا واحدة لا تصفق.

لكن بعض مسؤولي البنوك يعترفون أيضا انه الى جانب تشدد "المركزي"، فان سبب تباطؤ الائتمان هو عدم وجود مشاريع حيوية في البلاد رغم كل الحديث عن خطط تنموية ومشاريع مليارية، فأحد المصرفيين قال لـ"العربية" أن الشركات الأجنبية التي تنفذ المشاريع العملاقة تأتي والقروض معها من بنوك بلادها، "وحتى انها تأتي بالعمالة وطعامهم وشرابهم أيضا". وبمواجهة ذلك، تكرر وزارة المالية انها ترفع الانفاق الاستثماري سنويا في ميزانيتها على حساب الجاري، لتحفز نمو الاقتصاد، لكن على ارض الواقع، الأرقام لا تظهر ذلك، وهو ما يجعل كثيرون يتساءلون اين تذهب كل هذه المليارات ولماذا لا يستفيد منها الاقتصاد بشكل مباشر؟

ضرب من تحت الحزام

وكان لافتا في افتتاح برج المركزي الجديد كلمة لوزير المالية أنس الصالح التي وجهها للبنوك الكويتية بأنها "عليها إعادة هيكلة مواردها المالية وطرح أدوات مناسبة لمتطلبات تمويل المشاريع الكبرى.. وتخفيف على الأنشطة المصرفية التقليدية المتمثلة باجتذاب الودائع وتقديم التسهيلات قصيرة الأجل"، وهي رسالة يبدو انها مبطنة ترد على شكاوى البنوك الدائمة من السياسة المالية، كما انها تنتقد نموذج المصارف المحلية التي تُتهم بأنها غير مبتكرة وتعتمد على الايداعات الحكومية أو قروض الافراد المضمونة وقصيرة الاجل، بينما تحتاج المشاريع الكبرى الى قروض لفترات طويلة تمتد لسنوات طويلة.

كما لمح الصالح في كلمته الى ضرورة أن تعدل "البنوك سياستها لتتناسب مع ازدياد التحرر المالي وانفتاح الأسواق وازدياد المنافسة من خلال البحث الجاد في فرص الاندماج بما في ذلك الاندماج العابر للحدود.." وهي رسالة أخرى - ربما- للبنوك الكويتية المتحكم في ملكياتها وادارتها مجموعات اقتصادية تقليدية من القطاع الخاص، ولا تفضل دخول الأجانب لمنافستها في ملعبها الكويتي.