.
.
.
.

لماذا تنجح أرامكو؟

عدنان بن عبد الله الشيحة

نشر في: آخر تحديث:

هذا تساؤل مطروح في أذهان الكثيرين وهم يرون الدولة تطلب من الشركة الوطنية العملاقة (أرامكو السعودية) القيام بمشاريع تنموية خارج مجال استكشاف وإنتاج وتكرير وتصدير النفط.

التساؤل الرئيس يثير عدة تساؤلات أخرى على درجة كبيرة من الأهمية تتعلق بنظرتنا للإصلاح الإداري والتطلعات في تطوير صناعة وتنفيذ ومتابعة وتقييم القرارات العامة وإقرار نظام مساءلة ومحاسبة المسؤولين الحكوميين، ومن تلك التساؤلات: ما الذي يجعل "أرامكو" تنجح فيما تفشل الأجهزة الحكومية في تحقيقه؟ أي ما عوامل النجاح؟ وهل هي متاحة للأجهزة الحكومية كما هي لشركة أرامكو؟ وإذا كان طلب شركة أرامكو القيام بما يفترض أن تقوم به الأجهزة الحكومية.. فهل يكون ذلك اعترافا بسلبية وفساد إدارات القطاع العام؟ وإذا كان كذلك فما الذي علينا فعله لتطوير الإدارة الحكومية؟ هذه أسئلة صعبة وحساسة أو هي صعبة لأنها حساسة. وحساسيتها تأتي من أنها تناقش قضية تتعلق بنظرتنا كأفراد ومؤسسات ودولة لدور الحكومة في المجتمع وطبيعة القانون العام الذي يحكم العلاقة بين الجهاز الحكومي والمواطن ويشكلها.

إنها قضية مؤرقة قد تصل حد وصفها بأزمة. والسبب أن الكل وعلى جميع المستويات يعترف بوجود سلبيات وفساد إداري لكن ليست هناك مبادرات جادة في تناول جذور المشكلة. ويبدو أن البعض يجد في ضبابية الأنظمة وضعف تطبيقها فرصة مواتية لتحقيق مأربهم ومصالحهم الخاصة بطرق ملتوية وبأقل جهد ووقت، والقفز على النظام للحصول على ما لا يحق لهم أو تخطي دور الآخرين. وقد تكون الثقافة المجتمعية المبنية على الفزعة وتجاوز النظام أو تطويعه لخدمة الأقارب والمعارف وتقديم المصالح الشخصية قد شُرعنت لسيطرة العلاقات الشخصية والمحسوبية على قرارات الأجهزة الحكومية، سواء في وضع السياسات أو إصدار التشريعات أو ترسية عقود المشاريع أو التعيينات في الوظائف. لكن يبقى السؤال لماذا هذا الفساد أو السلبيات الإدارية في الأجهزة الحكومية، وليس في شركة أرامكو أو على أخف حدة في أقل تقدير؟

لا شك أن هناك اختلافا كبيرا بين بيئة العمل الحكومي وبيئة القطاع الخاص يجب أخذه بعين الاعتبار حين دراسة وتحليل تجربة "أرامكو" ومقارنتها بالأجهزة الحكومية. هناك فروق كبيرة بين التحديات التي تواجهها الأجهزة الحكومية والفرص المتاحة، وتلك التي تواجه شركة أرامكو، وسيكون من الخطأ الاكتفاء بالمقارنة دون معرفة أسباب الاختلاف بمستوى الأداء. والحقيقة أن الأجهزة الحكومية وشركة أرامكو يعملان على نظامين مختلفين تماما تختلف فيهما قوانين اللعبة.

هل يصح على سبيل المثال أن نأتي بلاعب كرة قدم محترف ونجعله يتبارى في لعبة كرة السلة ومن ثم نحكم على أدائه بالفشل؟ من الصعب مقارنة التفاح بالبرتقال، إذ إن لكل منهما شكله ومذاقه، وبالتالي لا يمكن أن نجزم أن أحدهما أفضل من الآخر؛ لأن ذلك يعتمد على تفضيل المُقيم، وهو تقييم غير موضوعي وغير محايد. وأخشى أن نقع في الخطأ نفسه عند مقارنة الأجهزة الحكومية بشركة أرامكو.

ومن الناحية العملية لا يمكن مقارنة أداء الأجهزة الحكومية بشركة أرامكو لاختلاف الظروف، مثلما لا يمكن جعل حصان وحمار يجران العربة نفسها؛ لذا ليس من العدل المساواة بين الأجهزة الحكومية المطالبة بتلبية احتياجات متفاوتة، وربما متضادة لشريحة كبيرة من الناس، وشركة أرامكو المعنية بأمور فنية بحتة ومحددة لا علاقة لها بعموم المواطنين. وعندما تكون الأمور واضحة والأهداف محددة والمعايير فنية صرفة، يكون من السهل نسبيا تحقيق أداء متميز.

لكن تصور لو أن "أرامكو" مسؤولة عن تلبية مطالب العموم وملزمة بالعمل مع الأجهزة الحكومية المختلفة التي تنتهج إجراءات بيروقراطية ورقية مطولة ومعقدة، هل تستطيع "أرامكو" حينها إنجاز أعمالها ومشاريعها بالجودة ذاتها والدقة والانضباط؟ أشك في ذلك؛ لأنه عندها لن تعمل بمفردها وبتركيز على هدف واحد، وإنما تتعدد الأهداف ومطالب المواطنين ويكون عليها الأخذ بعين الاعتبار الرأي العام، وهو بحر لجي تتلاطم فيه الآراء وتتصارع فيه المصالح، وستجد نفسها مجبرة على التخلي أو على أقل تقدير التخفيف من معايير الكفاءة والفاعلية على حساب الاستجابة لمعايير سياسية واجتماعية وثقافية.

إن شركة أرامكو أشبه ما تكون بمحطة مركزية لتوزيع الوقود بوظيفة فنية واحدة محددة لا تربطها علاقة بالجمهور وعلاقتها مع الموزعين علاقة مقننة وواضحة ومحسوبة كميا، بينما الأجهزة الحكومية تواجه تحديات العمل في بيئة إدارية وسياسية تتنازعها المصالح والضغوطات من كل حدب وصوب، وتتعدد فيها الأهداف وقد تتضارب في بعض الأحيان ويصعب قياس خدماتها وليس من السهل تقييم التأثير النهائي وحساب إنجازها كميا. إضافة إلى الكفاءة في استخدام الموارد، هناك أمر آخر تتفوق فيه "أرامكو" على الأجهزة الحكومية، وهو أنها تمتلك موارد تكفي لتطبيق معايير عالية الجودة تحقق تلك الكفاءة والتميز بالأداء.فهي تمنح موظفيها كافة سبل العيش المترف وتهيئ لهم بيئة عمل بمقاييس عالية من راتب مجز وسكن ورعاية صحية وتعليم وتطوير وتدريب مهني ومسار وظيفي وتقويم للأداء عادل يقيس الأداء الحقيقي، إضافة إلى ثقافة إدارية مبنية على الثقة والاتصال الفاعل وبناء الخبرات.

كل ذلك لم يتأت إلا بسبب ميزانيتها الضخمة التي تجعلها تصرف بجزالة كمن لا يخشى الفقر، كما أن هناك مرونة في إجراءات الصرف، حيث تختار الأفضل في كل شيء من خلال نظام إداري ومالي مرن؛ فلا ديوان مراقبة عامة يدقق على الإجراءات الورقية الشكلية ولا ممثل مالي همه البحث عن الأخطاء في الأرقام وفي سندات القبض الوهمية الصورية. هذا التميز بالمدخلات - إلى حد كبير - هو ما يصنع تميز مخرجات شركة أرامكو، لكن يبقى أن معادلة النجاح في الأداء الإداري هي البحث عن الأفضل وتحقيق التميز، وهذا لا يتأتى إلا من خلال المساءلة والمحاسبة ورفع كفاءة صنع القرار بتقديم ما يطلبه المواطنون. كيف السبيل إلى ذلك وقد تُركت البيروقراطيات العامة دون رقابة شعبية عبر مجالس نيابية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي ودون سلطات نافذة توجه وتسائل وتحاسب المسؤولين الحكوميين. كما أن المركزية الشديدة باعدت المسافة بين المواطن وصانع القرار حتى أن القرارات لا تفي بالاحتياجات التنموية وظلت المجتمعات المحلية تعاني مشكلات الفقر والبطالة والجريمة وتدني مستوى الخدمات العامة على الرغم من الإنفاق الحكومي السخي.

هناك - بكل تأكيد- حاجة ماسة إلى صياغة نظام جديد للإدارة الحكومية مبني على فصل السلطات وتطبيق اللامركزية ومنح سلطات أوسع للمجالس النيابية وإعادة صياغة نظام المالية العامة وتطوير تعليم الإدارة العامة بإنشاء كليات للدراسات الحكومية في بعض الجامعات. هكذا فقط ترتقي الأجهزة الحكومية ليكون أداؤها مقاربا لأداء شركة أرامكو. لكن يبقى الفرق في أن "أرامكو" شركة تعمل بنظام السوق، والوزارات أجهزة حكومية تعمل في إطار مؤسسي سياسي وشتان بين القطاعين.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.