.
.
.
.

هناك شركات حبذا لو تعلن إفلاسها

عبدالله بن عبدالمحسن الفرج

نشر في: آخر تحديث:

طفت على السطح في الآونة الأخيرة عدة موضوعات مهمة منها توطين قطاع الاتصالات وتصريح المتحدث بوزارة العمل عن وجود مليون منشأة صغيرة يوجد بها تستر تجاري وتأخر بعض الشركات في دفع أجور العاملين فيها. فهل هناك علاقة بين كل هذه المشاكل؟ أعتقد نعم.

لقد دار الحديث الأسبوع الماضي عن ضرورة القيام بإصلاح اقتصادي لمواجهة الانخفاض في عائدات النفط من خلال السماح للدورة الاقتصادية بالعمل كما يجب، ولذلك فإن هذه المشاكل التي نراها هي ليست فقط نداء واضحا وقويا بأن الإصلاحات قد حان وقتها وإنما دليل يمكن الاسترشاد به للإجراءات التي يجب نبدأ بها لتصحيح المسار الاقتصادي وتوجيه الوجهة التي نطمح فيها، وأعني بذلك تقليص الاعتماد على النفط ووضع الأسس لتعدد المداخيل التي نحصل عليها وذلك على النحو الذي وضعته خطط التنمية ابتداء من عام 1970.

وهكذا إذاً، فنحن يفترض أن نبدأ برامجنا الإصلاحية بتوطين العديد من النشاطات لا تلحق الأضرار بقطاع الأعمال وتساهم في كبح غول التستر؛ هذا التستر الذي يغذي اقتصاد الظل الذي يصل حجمه إلى ما يقارب نصف ترليون ريال. فهذه ال 500 مليار ريال إذا ما تمكنا من شرعنتها فإن حسابنا وتصورنا لناتجنا المحلي الإجمالي وتركيبة هيكله سوف تتغير، بل أن تصنيفنا الدولي يمكن أن يطرأ عليه تحسن جراء ذلك، فسعودة قطاع التجزئة مثلاً والذي تصل فيه نسبة التستر إلى 80% من شأنه أن يغير الكثير من مؤشرات اقتصادنا، فمثل هذا الإجراء سوف يكون كفيلا بخفض نسبة البطالة وارتفاع نسبة تشغيل شبابنا على أسس حقيقية وليست وهمية، كما أن تحويلات الأجانب التي تشكل تسربا كبيرا في الدورة الانفلاقية هي الأخرى سوف تتقلص، وهذا وحده، وفقاً للمضاعف والمعجل، قادر على إعطاء دفع للاقتصاد ونمو الناتج المحلي الإجمالي.

كذلك فإن مشكلة عدم دفع أجور العاملين في بعض الشركات يفترض أن يكون مرشدا لنا بأن الوقت قد حان ربما للنظر في أمر التعامل معها، فالشركات التي تتأخر عن دفع أجور موظفيها أكثر من 4 أو 6 أشهر هي شركات مراكزها المالية ليست على ما يرام، هذا إذا لم نقل إنها ضعيفة، ولذلك فإن مثل هذه الشركات يمكن أن تكنسها الدورة الاقتصادية إذا ما سمحنا لها بذلك، فالشركات الخاسرة أو ضعيفة المراكز المالية هي صدأ على جسم الاقتصاد، فمثل هذه الشركات التي تقتات على المشتريات والإنفاق الحكوميين هي عبء على اقتصادنا؛ لأن هذه الكيانات الهشة لا يمكن أن تزدهر وتتطور إلا بالاعتماد على العائدات النفطية المرتفعة، ولذلك فإن التخلص منها بإعلانها الإفلاس، وذلك بعد تسوية حقوق العاملين فيها، من شأنه أن يفتح المجال إمام شركات أخرى أكثر قوة وغير معتمدة على الرضاعة من النفط.

إن هذه المشاكل التي طفت على السطح بعد تراجع أسعار النفط هي مرشد لنا للبدء بها قبل غيرها، فهذه الظواهر المرضية في الاقتصاد إذا ما تم التعامل بها بشكل صحيح ومعالجتها بصورة جذرية فإن ذلك سوف يشكل بداية لإقامة اقتصاد قوي قائم على أسس قادرة على التجدد باستمرار.

* نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.