.
.
.
.

التمييز .. العجلة المثقوبة

زكي أبوالسعود

نشر في: آخر تحديث:

التعليقات حين النظر إلى تاريخ بلادنا المعاصر، لابد من التوقف عند محطة اكتشاف البترول كأهم محطة بعد قيام الدولة المركزية التي أنجبت مملكتنا الحالية. فقد قاد هذا الاكتشاف إلى تغير ملموس في بنية المجتمع الرعوي-الزراعي والمهن التقليدية المرتبطة به، حيث اجتذبت صناعة البترول الوليدة آلاف العاملين في المهن التقليدية السائدة التي بدت لهم أكثر إغراءً من تلك الأعمال التي تربوا عليها وتوارثوها أبا عن جد، وجعلت من العمل في الصناعة الوليدة محط استقطاب الشباب الباحثين عن فرص وظيفية تتيح لهم التطور المهني خارج نطاق العمل التقليدي الذي عمل فيه أسلافهم. وهذا ما يحدث مع الصناعات الجديدة التي تمتاز بحاجتها إلى أعداد من العاملين يفوق عددهم عمن يعمل في المهن التقليدية، وهي حين غزوها لهذه المجتمعات تتحول كالفاتح العسكري المنتصر في غزوة لبلد آخر عندما يفرض سننه وتشريعاته، فتزيح عن طريقها قواعد العمل في المهن القديمة التي اعتاد الناس على العمل فيها كمجموعات أسرية تشترك وتتقاسم كل ما يخص العمل دون النظر للقدرات الشخصية لأعضاء المجموعة، التي بحكم التقادم الاقتصادي تصبح عاجزة عن تلبية احتياجات جميع العاملين فيها، فيجعل الانسحاب الفردي من هذه المجموعات للعمل في المهن الجديدة طريقاً للخلاص من الحالة الصعبة التي تواجه مجموعات العمل التقليدية، وهو ما يناسب الأعمال الجديدة التي تعتمد القدرات الفردية والمهارات الشخصية كأساس «رسمي» في استقطاب عامليها، الذين حينما تكون مهاراتهم وقدراتهم الذاتية عالية فإن ذلك يصب في مصلحة العمل، ويساعد على نجاحه. وفي هذا يكمن عنصر من عناصر النجاح الذي حققته الدول المتقدمة التي استثنت كل المواصفات التي لا ترتبط بالقدرات والكفاءات الفردية في التوظيف والعمل، بل وجعلت هذه المهارات هي الأساس لكل تقدم وظيفي أو مهني.


إن التخلي عن هذه القاعدة الذهبية التي أثبتت نجاحها في جميع الحقول والميادين هو طريق يقود إلى التعثر والفشل والإحباط أيضاً، فحينما تكون القاعدة المعتمدة للتوظيف والتقدم المهني في صناعة حديثة تعتمد على أسس قديمة مماثلة لتلك التي كانت سائدة في المهن القديمة، فإن هذا التناقض البنيوي سيعرقل مسارها ويقودها إلى نفس المصير الذي آلت إليه تلك الأعمال القديمة التي لم تستطع مواجهة تحديات الزمن والبقاء. وهو بطبيعة الحال ما ينتظر كل صناعة جعلت من الانتماءات المذهبية والمناطقية مبدءًا لإدارة مواردها البشرية وسياسة تتبعها في اختيار عامليها وشرطاً لبناء كوادرها وقياديها.

ويتيح التقيد بهذه القواعد المتعارضة مع المنفعة العامة إلى سيطرة المحسوبية والشللية، ما يؤدي إلى تراكم الفساد الإداري والمالي وإغماض الضمير قبل العين عن الأخطاء الصغيرة والكبيرة التي من السهل تسببها في أضرار وخسائر جسام.

وتعد المستشفيات والمراكز الصحية على سبيل المثال، من المواقع التي من الممكن أن يؤدي فيها تطبيق هذه القواعد إلى نتائج خطيرة وغير إنسانية. فحينما يتم توظيف العاملين من إداريين وأطباء وممرضين خلافاً لمهاراتهم المهنية وقدراتهم الفردية، وإنما وفقاً لانتماءاتهم الفئوية التي هي بعيدة عن متطلبات المهنة، فإن ذلك ومع مرور الزمن قد يتدرج إلى تمييز يلحق بالمرضى، وتراجع في الأولويات التي تُبنى عليها استحقاقات التطبيب والعلاج.

ختاماً يمكن القول بأن البلدان التي استطاعت بناء نهضتها وتحقيق تقدمها لم تنجزها إلا حينما جعلت من المساهمة في هذا البناء حقاً يمتلكه جميع مواطنيها دون تمييز أو تفريق. كما لا يمكن للبلدان التي لا تزال تواجه تحديات التنمية ومعوقات التقدم، تخطي ذلك ولديها من الممارسات والأفعال التي تميز بين مواطنيها وتفرق بينهم، فالوطن (كحاضن للأمة) عبارة عن كتلة واحدة لا يمكنها تغيير مكانتها والانتقال إلى موقع أكثر تقدماً، وجزء منها محظور عليه التحرك معها بنفس القوة والسرعة التي تمتلكها بقية مكونات الكتلة.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.