.
.
.
.

أموال نظيفة لأنظمة فاسدة

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:

يواجه رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون أزمة، لا علاقة لها بإمكانية استقلال إسكوتلندا عن التاج البريطاني، ولا بمستقبل بلاده في الاتحاد الأوروبي، ولا بمواقف حكومته من الإصلاح المصرفي الأوروبي.. إنها أزمة على شكل ورطة، كاميرون وحكومته الائتلافية في غنى عنها. وهذه الورطة ببساطة تتعلق بالأموال التي تقدمها بريطانيا كمساعدات ومعونات للدول الأخرى. لقد تأكد أن حكومة كاميرون تقدم الأموال لأبشع الأنظمة فساداً وديكتاتورية في العالم، في حين أنها لم تقم بأي خطوات عملية، لمنع وصول هذه الأموال، إلى هذه الأنظمة، أو على الأقل إيصالها بشروط واضحة، تحت طائلة المنع. والمشكلة أو الورطة، آتية هذه المرة، ليس من المعارضة، بل من منظمة الشفافية الدولية، التي أعلنت أن حكومة كاميرون تنفق الملايين من الجنيهات الاسترلينية، على المساعدات التي تدعم أكثر الأنظمة فساداً في العالم. لقد حددت المنظمة بالاسم (على الأقل) عشر دول، تتلقى هذه الأموال الآتية في الواقع من دافعي الضرائب.

وبصرف النظر عن حجم الأموال التي تتلقاها هذه الأنظمة الفاسدة، فإن بقية البلدان المانحة لا تتبع الأسلوب البريطاني نفسه، أو على الأقل لم تكتشف أي جهة محلية أو عالمية، أن حكومات مانحة أخرى تقدم الأموال للأنظمة الفاسدة، بما في ذلك الحكومة الفرنسية، التي تضع أطرا ومعايير، تحمي الأموال الفرنسية العامة من الوصول إلى الفاسدين والمجرمين والقاتلين والناهبين، علماً بأنه كان في السابق جزء كبير من أموال المساعدات الفرنسية يذهب لإفريقيا، إلى أنظمة وحكومات فاسدة. لكن الوضع تغير منذ سنوات، حيث بدأت (فرنسا وغيرها من البلدان المانحة)، وضع لوائح تحدد الأطر العامة للمساعدات، لكن بريطانيا بقيت خارج هذا النطاق، دون أي مبرر مقنع. وهذا لا يعني أن بريطانيا هي وحدها في هذا المجال، لكنها الوحيدة التي انفضح أمرها، في حين تستطيع حكومة كاميرون، أن تتخلص ببساطة من هذه السلوكيات، وترضي دافع الضرائب لديها، والشعوب التي خُصصت لها أموال المساعدات.

وإذا كانت دولة كبرى كبريطانيا، لا تستطيع إيصال المساعدات والمعونات إلى مستحقيها الحقيقيين، فمن يستطيع؟ فهل يعقل أن نظاماً بشعاً كالنظام الحاكم في كوريا الشمالية، يتلقى أموال المساعدات مباشرة من بريطانيا، أو تتلقى الأموال "حكومات" في أوزبكستان والسودان وسورية والصومال وغيرها؟! نظام سفاح سورية على سبيل المثال، يتلقى سنوياً من المملكة المتحدة أكثر من 38.5 مليون جنيه استرليني! ولا تزال هذه المساعدات (حتى اللحظة) تصل إلى نظام ينفذ سياسة التطهير الاجتماعي، ويهزأ من أي موقف يدعو إلى وقف المجازر والفظائع التي يرتكبها. مرة أخرى لا نعرف مدى تورط دول مانحة أخرى في هذا المجال. وربما حسبت هذه الدول ـــ وعلى رأسها بريطانيا ـــ أن تتبع الأموال نفسها، يستوجب تكاليف مالية، لا تريد أن تتحملها. دون أن تحسب، أن التكاليف الناجمة عن وصول أموال نظيفة إلى أنظمة فاسدة وملوثة وقذرة، أعلى بكثير من تلك التي تنفق على تأمين هذه الأموال على مستحقيها.

وإذا كانت هناك صعوبة في تتبع هذا المال، أليس من الطبيعي أن تتفق الدول المانحة كلها (دون استثناء)، على استراتيجية موحدة في هذا المجال، توفر الجهد والمال والوقت، في تتبع الأموال؟ هناك الكثير من الطرق لإرسال هذه الأموال ووصولها إلى الجهات التي تستحقها، والأمر لا يحتاج إلى دول كبرى لاستكشافها، لكن يبدو أن الحكومة البريطانية تستسهل عملية منح المساعدات، أو أنه لا علم لها بتفاصيلها. وفي كل الأحوال، على حكومة بريطانيا الإجابة عن مجموعة من الأسئلة في مرحلة لاحقة، خصوصاً بعد أن جاءت المعلومات من منظمة الشفافية الدولية، التي تحظى باحترام على الساحة الأوروبية، نظراً لمصداقيتها. بالتأكيد، لا يحب كاميرون ولا حكومته هذه الأنظمة المروعة، لكن المؤكد أيضاً، أنه لم يلق بالاً لإخضاع نظام المساعدات لمزيد من الإصلاح والشفافية.

يبرر النائب المحافظ بيتر بون، الفشل الحكومي البريطاني على صعيد إيصال المساعدات إلى مستحقيها، بالقول "أنا متأكد من أن الوزراء يأخذون ما بوسعهم من احتياطات، لكن الوضع في كثير من تلك الدول سيئ للغاية، لدرجة أنه لا توجد أي وسيلة يمكن من خلالها معرفة المصير الذي تؤول إليه الأموال في نهاية المطاف"! لكن المضحك، أن وزيرة التنمية الدولية في حكومة كاميرون تقول إنها لا تتسامح مطلقاً تجاه الفساد، وإن هناك عدة عمليات فحص صارمة تهدف الى حماية أموال دافعي الضرائب! ماذا تقول هذه الوزيرة؟ "عدة عمليات فحص"!! كيف ذلك، ويتمتع سفاح مثل الأسد ومجرم مثل رئيس كوريا الشمالية، وقطاع طرق في الصومال، بأموال دافعي الضرائب البريطانيين؟!

لا أحد يطالب دولة كبريطانيا، بحل هذه المشكلة بين يوم وليلة. إنها عملية معقدة، لكنها لن تكون كذلك، إذا ما تم التعاون المباشر بين الدول المانحة نفسها، ليس فقط لحماية الأموال التي يحتاج إليها الناس في البلدان الفقيرة، بل لحماية الأموال التي أُخذت مباشرة من دافعي الضرائب. فالذي يدفع الضرائب، لا يريد بأي حال من الأحوال، أن تصل أمواله إلى أيدي أنظمة لا تعيش إلا بالأموال القذرة.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.