هيئـة وطنية للصناعات الثقيلـة

محمد حسن مفتي
محمد حسن مفتي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

من المؤكد أن المملكة تمتلك جميـع مقومات إنشاء قطاع تصنيعي قوي، ذلك أن رأس المال الذي يعد ركنا أساسيا لبناء أي نشاط اقتصادي من أي نوع في أي دولة لا يمثـل أي عقبة بالنسبة لها وخاصة في الفترة الحالية، كما أنها تمتلك العديد من المزايا النسبية على كل من الصعيدين الاقتصادي والجغرافي على حد سواء مما يميزها عن الكثير من دول المنطقة، إضافة إلى امتلاكها لفكر استـثماري منفتح مكنها من احتلال المركز رقم 22 في التصنيف العالمي فيما يختص بمؤشر سهولة أداء الأعمال لعام 2013 طبقا لتقريـر ممارسة أداء الأعمال الصادر عن مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، كما أن المملكة سوق اقتصادي حـر كبير، بل الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، فضلا عن استقرارها السياسي وبيئتها الاقتصادية المواتية لسوق الأعمال، وكل هذه المزايا من الطبيعى أن تؤهل المملكة لأن تقتحم بقوة مجال التصنيع، وتصنع فيه إنجازات لافتة أيضا.

وتمتلك المملكة عددا من الصناعات الثقيلة والخفيفة كصناعات المعادن ومواد ومعدات البناء والرخام والخرسانات وغيرها، غير أنه في اعتقادي أن هناك إحدى الصناعات الثقيلة التي يتوجب على المملكة طرق باب التصنيع فيها وبقوة، وهي صناعة السيارات، والتي من الممكن أن تحقق العديد من المزايا في حال تصنيعها داخل المملكة، وخاصة في ظل اعتماد المواطنين على السيارات الخاصة لغياب منظومة النقل الجماعي وافتقاد وسائل المواصلات العامة فيها، وعلى الرغم من أن هناك عددا من الدول الصناعية الكبرى التي تكاد تحتكر تصنيع السيارات كاليابان وألمانيا والولايات المتحدة وغيرهم، إلا أن دولا أخرىلاتزال نامية بكثير من المقاييس تكافح من أجل اقتحام عالم تصنيع السيارات، وربما أشهرها على سبيل المثال الهـند ــ فهي بخلاف كونها مركزا لتصنيع السيارات العالمية ــ تصنع سياراتها الخاصة منذ قرابة خمسين عاما.

لا جدال أن صناعة السيارات هي إحدى أهم الصناعات في القرنين العشرين والواحد والعشرين، وتشمل صناعة السيارات تصميم وتطوير وتصنيع وتسويق وبيع السيارات، كما أن هناك عددا من الصناعات المكملة لتصنيع السيارات نفسها كالإطارات وأجهـزة التحكم وغيرها، ولا يليق بدولة في مكانة المملكة أن تكتفي من صناعة السيارات بتسويق وبيع السيارات فحسب، بل يتوجب على الدولة إنشاء هيئة وطنية للصناعات الثقيلة على غـرار الهيئة الملكية للجبيل وينبع تشرف على تطوير الصناعات الثقيلة ومنها صناعة السيارات، ويمكن للهيئة أن تبادر بتأسيس شركة وطنية تساهم الدولة فيها بجزء من رأس المال بينما تطرح الجزء الآخر للاكتتاب، ولا يساورني أي شك في أن المواطنين وأصحاب رؤوس الأموال سيقبلون على الاكتتاب في مثل هذه الصناعة، كما يمكن أن يستـثـمر جـزء من رأس مال الشركة المقترحة من خلال شراكات غربية وخاصة للشركات المتخصصة في صناعة السيارات، وبالنسب التي تسمح بها قوانين الاستـثـمارات السعودية، بحيث تـتم الاستفادة من خبرات هذه الشركات وقدرتها على الصمود في سوق السيارات العالمي لتكتسب بذلك الشركات السعودية خبرات تصنيعية وتسويقية، كما أن وجودها يشجع مناخ الاستـثـمار ويثبت قدرة السوق السعودي على الانفتاح والتفاعل مع كافة المستجدات والمتغيرات الاقتصادية العالمية..

في اعتقادي أن مثل هذا المشروع الاقتصادي سيواجه بعراقيل كثيرة جدا وخاصة من قبل أولئك الهوامير الذين تربعوا على عرش استيراد السيارات وقطع غيارها، وهم من سيقومون بمحاربة فكرة تصنيع السيارات محليا بكل ما أوتوا من قوة، فضعف الاقتصاد أو قوته هو أمر لا يعنيهم كثيرا في الوقت الذي تشغلهم تماما أرباحهم الخاصة.. من الأهمية بمكان أن نبدأ الآن ــ وليس في مرحلة تالية ــ في بناء اقتصادنا على أسس متينة وراسخة، كما يجب تحويل العائدات الضخمة والوفيرة إلى أنواع أخرى من الاستـثـمارات المتجددة، ولا يوجد استـثـمار متجدد أهم من التصنيـع، سواء كان صناعات ثقيلة أو حتى خفيفة، وإنشاء هيئة وطنية سعودية لتأسيس وتطويـر الصناعات الثقيلة هو المرحلة الأولى في تدشين عصر صناعي جديد بالمملكة، لصناعات باتت تحتل الآن المركز الأول في مصادر دخل كثير من دول العالم الصناعية الكبرى، ولاتـزال المحرك الأساسي لاقتصادات هذه الدول العملاقة وخط الدفاع الأول لكافة المشكلات والعقبات الاقتصادية التي قد تواجهها حاليا أو في المستقبل.

*نقلاً عن صحيفة "عكاظ" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.