.
.
.
.

لكل شاب مستقبل يصنعه بإرادته

فهد بن عبد الله القاسم

نشر في: آخر تحديث:

بتخرج الشاب من الجامعة أو المعهد تبدأ رحلة البحث عن الذات، هل هو موظف أم صاحب عمل؟ ما طموحاته؟ هل شهادته التي حصل عليها هي بداية حياته العملية أم أنها نهاية مرحلته التحصيلية؟

في مراحل متعددة من حياتي مر علي عشرات الشباب بعضهم للتو أنهى مرحلته الثانوية ويطلب المشورة إلى أين يتجه وفي أي تخصص يتوجه، والبعض الآخر أنهى دراسته الجامعية ويستشير في أفضل أماكن العمل، ومنهم من يمر بمرحلة مفصلية في وظيفته وحصل على عرض أفضل، وآخر بدأ في تجربة عمله الخاص ورأى بوادر النجاح، لا أدعي أنني قدمت في جميع هذه الحالات النصيحة الأمثل والأنجح والأنسب، ولكني بالتأكيد قدمت لكل منهم نصيحة صادقة، واستشارة مهنية مجانية، وفي كل هذه الحالات لم أتخذ قراراً نيابة عن أي ممن طلب مني النصيحة، لأنني أعتقد أن قرار الشاب يجب أن يصدر من أعماق عقله وقلبه.

وجدت أن كثيرا من الشباب يمر بحالة من حالات القطيع بأشكال مختلفة، فكثير منهم يتبع اختيارات الزملاء، والبعض يتبع ما يسمعه في المجالس والاستراحات، والبعض لا يفكر في مستقبله أصلاً فيؤجر عقله لمن يُفكر عنه.

تجارب الشباب في جميع المراحل تصيغ مستقبلهم، وعلاقاتهم ومعارفهم قد تغير حياتهم، ولا غنى لكل شاب عن أخذ مشورة من سبقوه، والاستفادة من خبرتهم، ولكن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الكثير هو تقليد الغير، ويغيب عنهم أن كلا منهم شخص آخر، فالقدرات مختلفة، والمواهب متباينة، والرغبات متفاوتة، وما يصلح لأحد بالتأكيد لا يصلح لكل أحد.

نصيحتي للشباب بأن يستفيدوا من كل فرصة تتاح لهم، فنجاحهم الدراسي وانضباطهم التعليمي سيكون قاعدة للانطلاق في حياتهم الوظيفية أو العملية، وتفوقهم التعليمي سيكون له أثر واضح في قبولهم في الجامعات، أو حتى في إكمال مسيرتهم التعليمية بعد الجامعية. كما أن استثمار الشباب لوقتهم في المراحل التعليمية، ولا سيما المرحلة الجامعية والثانوية، سيكون له دور حاسم في حياتهم المستقبلية، وخاصة في التزود بالمهارات الأساسية، مثل مهارات الحاسب الآلي ومهارات الكتابة، والقدرة على العرض والحوار والإقناع، واكتساب اللغات الأجنبية.

من أهم ما ينفع الشباب في هذه المرحلة هو الانخراط في الأنشطة التطوعية، والعمل الوظيفي في أوقات الفراغ، فكثير من الشخصيات المتميزة للشباب الذين قابلتهم وكانوا ممن تمرسوا في أعمال تطوعية في مراحل مختلفة من حياتهم، كانت مهاراتهم التواصلية وتفكيرهم وتجربتهم تضعهم في صفوف متقدمة عن غيرهم من الشباب.

يحتاج الشاب إلى المعارف والعلاقات في كثير من مراحل حياته، هذه العلاقات مهمة للشاب في كثير من الأحيان، منها الحصول على المشورة وفي البحث عن وظيفة وفي بداية العمل الجديد وفي تنمية الأعمال، وهي كالمفتاح لمستقبل أفضل، ومن أهم مصادر هذه العلاقات والمعارف زملاء المدرسة والجامعة، التي عادة ما تكون من أعمق العلاقات المستقبلية، إضافة إلى التجمعات الشبابية في المدارس والجامعة؛ مثل الجوالة والمراكز الصيفية والمناشط التطوعية، كما أن الأسرة وعلاقات الوالد والديوانيات الثقافية مصادر ممتازة لتكوين علاقات إيجابية إضافة إلى أثرها في تكوين الشخصية والتعلم.

كما أن الشاب يحتاج إلى تطوير مهاراته وقدراته باستمرار، لذلك نجد أن كثيرا من الناجحين يتعاملون مع التعلم كضرورة مهنية، والأهم من التعلم التخطيط للتعلم ويبدأ هذا التخطيط بمعرفة نقاط الضعف التي تحتاج إلى ترميم، والمهارات التي تستحق الاكتساب، ومن أهم مصادر التعلم بعد بيئة العمل وزملاء العمل؛ البرامج التدريبية، والمنتديات والمؤتمرات المتخصصة والمحاضرات، والمشاهدة والسماع والقراءة لكل مفيد عن طريق الإنترنت والفضائيات والإعلام.

على كل شاب أن يسأل نفسه أيضاً في كل مرحلة من مراحل حياته؛ ماذا سأقدم للغير؟ هذا السؤال أهم وأجدى نفعاً وأكثر إيجابية من سؤال ماذا سأكون مستقبلاً؟ فحاجات المجتمع هي الصورة الأكبر لحاجات الأفراد، وهي التي توجد نجاحاً أكبر لمساهمة الفرد فيه، وفيها استعراض وافر للوظائف المتوافرة في السوق وتغطية الأقل عرضاً والأكثر حاجة، وبالتالي الأكثر طلباً، ميزتها الأساسية أنها ترفع مستوى طموح الشاب، وتدفعه إلى تحدٍّ أكبر، ولمجالات أكثر صعوبة.

السعادة في العمل هي حجر الزاوية الذي أرى أولويته على أي عنصر آخر، فالموظف يقضي ما يزيد على ثلث حياته، بعد استبعاد ساعات النوم، في العمل، فليس أولى من أن تكون سعيداً في عملك، وهذه السعادة لا تنحصر في عامل واحد، ولكنها مترابطة بعناصر متكاملة بعضها مع بعض، من أهمها أن تكون محباً لتخصصك، وأن تختار عملك الذي يتميز ببيئة عمل جذابة من جميع النواحي، والمعنوية والتعامل وقيمة الموظف مقدمة على الأمور المادية، ومن أهم ما يصنع بيئة عمل ممتازة العلاقة المتميزة مع زملاء العمل والرئيس المباشر، والأنظمة الواضحة للعاملين، والتطوير المستمر لهم، وبرامج الادخار للمستقبل، ودعم الموظفين في حياتهم الوظيفية والحياتية، ومن أهم ما يصنع السعادة في العمل المنافسة الإيجابية بين الموظفين والابتعاد عن الحسد والضغينة والمقارنات غير الصحية مالياً ووظيفياً.

وقد سألني، مرة، أحدهم: كيف أعرف أنني سعيد في عملي؟ فقلت له إذا كنت تشتاق لعملك في نهاية الأسبوع وتتحمس لبداية جديدة في الأسبوع الذي يليه؛ فهذا مؤشر مهم، وإن كان يومك ينقضي دون أن تتذمر من طوله فهذا مؤشر آخر، وإن كنت لا تفكر في تغيير عملك وترفض أن تستقبل عروض الجهات الأخرى فهذا مؤشر حاسم لسعادتك في عملك.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.