.
.
.
.

هل نحن حقا في حاجة إلى تنويع الدخل؟

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

سؤال محيِّر يدور في مخيلتي وأنا أسمع وأقرأ الكثير عن ضرورة تنويع دخلنا المحلي الذي يعتمد في الوقت الحاضر بنسبة كبيرة على المداخيل النفطية التي لا نبذل في الحصول عليها أي مجهود يذكَر. هو شيء جميل أن يكون لدينا أكثر من مصدر واحد للدخل في هذا الزمن المتقلب. ولذلك، تجدنا قد أتعبنا أنفسنا في الجري واللهث وراء أوهام تنويع الدخل الذي كنا نظن منذ ما يزيد على 40 عامًا أنه في متناول أيدينا، وما علينا إلا أن نقول له كن فيكون.

وإذا به أبعد علينا من الثريا في علوها وسماها. مرت آحاد السنين وتعدت إلى عقود تزيد على الأربعة ونحن لا نزال نراوح مكاننا. لم نركن إلى الراحة، كما قد يخيل إلى البعض، ولم نتخل عن حلمنا في إيجاد مصدر أو مصادر جديدة لدخلنا كما يمليه علينا مصيرنا على أرض هذه الصحراء الواسعة. بل إن إصرارنا على مواصلة المحاولات المتتالية اليائسة من أجل تحقيق ذلك المطلب المتمنِّع فاق ما يُنسَب إلى مجتمع النمل من الإصرار وقوة التحمُّل على تحقيق الهدف المنشود. خططنا ثم خططنا وظللنا نخطط حتى استكملنا من عمر الزمن ما شاء الله أن يمضي ونحن لا نزال قمة في التفاؤل غير المُجدِي. مر خلالها على وزارة التخطيط أكثر من أربعة وزراء وكثير من المسؤولين، دون أن تنجح خطة واحدة حسب ما هو مأمول منها، لأسباب هم أدرى بها.

وعندما نعود إلى رشدنا ومحاسبة أنفسنا، نجد أن العيب ليس في الخطط الخمسية ذاتها وليست هي المسؤولة عن فشلها، بل إن العلة في البيئة الاجتماعية التي نحاول أن نفرض عليها ما لا يتناسب مع طبيعتها في ظل إسراف في الدخل الرخيص ووجود عمالة أجنبية فاق عددها عشرة ملايين نفس.

ما دام لدينا دخل يفيض عن كل ما نحن في حاجة إليه من متطلبات الحياة الكريمة والرفاه الزائد عند البعض منا، بصرف النظر عن مقدار نصيب كل مواطن، فما هو، يا تُرى، الدافع الذي سيحرك فينا حب الكد والعمل والإنتاج المثمر؟ بل وإمعانًا في محاولة طمس رغبة الطموح أصبحنا نردد على شعوبنا وبحسن نية ألَّا تخافوا على مستقبلكم ولا تحزنوا على ما فاتكم، فالخير واجد وهذه النعم ستدوم إلى ــــ ما شاء الله. ونذكرهم بعد كل فترة وأخرى أن احتياطي ثرواتنا النفطية المباركة يكفي لما يزيد على مائة عام من العيش الرغيد.

والأمل بالله كبير في أن نعثر على مزيد من الثروات النفطية الدفينة من نوع "احفر وانتِج".. ومن شدة الذهول ورغبة الاستمتاع بهذه الثروات التي نباهي بضخامتها أبطال قمة العشرين، لا تجد منا منْ يسأل سؤالاً واحدًا وبسيطًا يبرِّئ فيه ذمته، ويقول: يا قومنا وما هو مصيرنا إذا لم يبلغ العمر الاقتصادي للثروة إلا نسبة متواضعة من عمرها الافتراضي، وهو بطبيعة الحال أمر وارد؟ وإذا لم نعثر على الكميات الجديدة الموعودة؟ آنذاك يكون الوقت قد تأخر كثيرًا على إعادة التفكير في ضرورة تنويع الدخل. لأن الأمور ستصبح أكثر صعوبة وأكبر تعقيدًا، لاحتمال عدم توفر رأس المال المطلوب حينئذ من أجل إنشاء مشاريع استثمارية وتنموية جديدة تكون مصدرًا لتنويع الدخل.

الذي يريد حقًّا تنويع الدخل القومي المستمد من جهود المواطنين ومشاركتهم لا بدَّ من أن يهيئ له البيئة المناسبة ويحدد المسارات التي يجب ألا نحيد عنها، وسمها إن شئت خريطة طريق. وأهم خطوة في هذا المجال يجب أن تكون تحديد الأولويات، وعلى رأسها وأهمها تقنين الدخل العام. فهو الذي قتل طموحنا ونمَّى في دواخلنا الكسل والخمول وغياب الإنتاجية كبقية خلق الله. ثم ننتقل إلى المرحلة التالية، وهي تحديد الجهة أو الجهات التي ستكون مسؤولة عن "التنمية الصناعية" المطلوبة. هل هو القطاع الخاص؟ أم القطاع العام تحت إشراف وزاري؟ أو ربما الاثنين معا؟ في معظم دول العالم تجد القطاع الخاص هو الذي ينشئ ويستثمر في مختلف النشاطات الصناعية والخدمية، بتوجيه وتسهيلات من المؤسسات المختصة في الحكومة.

وبالنسبة لنا ولظروفنا الخاصة، فمن الممكن أن يكون دور الحكومة أو المؤسسات الرسمية خلق وسائل تسهيل الاستثمار وإيجاد وسائل النقل وتنظيم وتدريب الأيدي العاملة الوطنية وضمان حرية التصدير، بعد التأكد من أن المردود المادي على نقل البضائع خارج البلاد إيجابي وليس سلبيا بالنسبة لخزانة الدولة المسؤولة عن الإعانات والإعفاءات. لا نريد إعفاءات وإعانات تكون هي مصدر الكسب للمستثمرين كما هي الحال في بعض الأحوال الحالية.

ولا بد من أن نحدد مقدما عدد العمالة الأجنبية التي نحن في حاجة إلى خدماتها حتى نصل إلى مرحلة الاستغناء الكامل عنها أو عن نسبة كبيرة منها بموجب الخطة المرسومة. وذلك بدلا من فتح الباب على مصراعيه لكل من هب ودب من المواطنين والمؤسسات الخاصة يستقدمون ما يشاؤون، دون ضوابط قانونية واضحة وصريحة تحمي المصالح العامة للبلاد. إذ لا يمكن أن يكون هناك مردود إيجابي لأي مصدر للدخل إذا لم تكن الأيدي الوطنية أساسا في تكوينه.

* نقلا عن الإقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.