.
.
.
.

الدوافع الاقتصادية لـ"الربيع العربي"

لويس حبيقة

نشر في: آخر تحديث:

الذي يحل في المنطقة العربية منذ 2010 من ثورات وحركات مضادة مدهش، إذ يؤشر إلى وجود حيوية كبيرة مخبأة في المجتمعات ليس فقط عند الرجال وإنما عند النساء والأطفال خاصة . بالرغم من أن النتائج لم تكن حتى اليوم بمستوى الطموحات، إلا أنها أعادتنا إلى الوراء في بعض الدول . إن ما جرى ويجري يعطينا الأمل في إمكانية التغيير النوعي المستقبلي .

منذ الاستقلال العربي في منتصف القرن الماضي، كان هناك تصور سياسي عقائدي واضح ليس فقط في مصر وإنما أيضا في الجزائر وسوريا واليمن وغيرها . كانت الحركات الاستقلالية واضحة في أهدافها وميولها وتحالفاتها وكيفية عملها، أما اليوم فهناك تخبط على جميع المستويات ربما لغياب القيادات النوعية أو لأن الظروف الدولية تغيرت كثيراً . بنيت الحركات الاستقلالية في مصر وغيرها على ضرورة التنمية والاهتمام بالفقراء والأرياف وجمع الشمل العربي ليس فقط في السياسة وإنما أيضا في الاقتصاد . حتى لو لم تكن النتائج السابقة جيدة، إلا أن المحاولات كانت عديدة وفي الاتجاه الصحيح .

أما اليوم فالتخبط لا يقتصر فقط على الرؤية، وإنما أيضاً على الأهداف والوسائل وطرق التخاطب والحوار ليس فقط بين الدول وانما أيضا داخل كل دولة . اختلط الدين بالسياسة والتطرف والعرق والمذهب، وأصبحنا لا ندري من يخاطب من بل ما هي هوية المتخاطبين ومصادر دعمهم الحقيقية . لا شك في أن نوعية القيادات المتدنية لا تقتصر على المنطقة العربية فقط بل أصبح داءً عالمياً لأن السياسة ربما تبعد أصحاب الكفاءة والمبادئ وتقرب الفاسدين وغير الكفوئين والعاطلين عن العمل وغيرهم إليها . هل يمكن مقارنة قيادات ديغول وتشرشل وأيزنهاور وخورتشوف وأديناور ونهرو وماو وغيرهم بما يحصل اليوم بالرغم من أن العلوم والأداب والتكنولوجيا تقدمت إلى حدود لم يعرفها العالم من قبل . ف

ي منتصف القرن الماضي، كانت القيادات السياسية العربية مدعومة خاصة من الطبقات الوسطى التي شكلت العمود الفقري للاقتصادات . تشرذمت هذه الطبقات الحيوية بل أصبحت فقيرة بسبب سوء الممارسات والسياسات على مستوى الحكومات والمؤسسات الرسمية وغيرها . تشرذمت أو قضي عليها بسبب سياسات التحرير السريعة بل المتسرعة وغير المدروسة في العديد من الدول العربية مما جعل كبار الشركات والثروات أو حيتان المال المرتبطة بالسلطات السياسية تسيطر على الاقتصاد وتلغي الوسط . إن نسبة الإنفاق العام من الناتج في المنطقة العربية، تدنت من 22% سنة 1975 إلى 14% في سنة 2005 أي أن دور القطاع العام تقلص عربياً على عكس ما حصل في شرق أسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وحتى في الدول الغربية . عندما ينحدر الإنفاق العام بهذا الحجم وهذه السرعة، من يخسر؟ طبعا الطبقات الوسطى وما دون .

قبلت الشعوب بمصيرها لعقود طوال ولم تحاول التغيير . ما الذي استجد حتى نزلت إلى الشارع في تونس ومصر واليمن وسوريا والأردن وغيرها؟ هل استفاقت الشعوب على حقوقها السياسية وحرياتها، أم أن العوامل الاقتصادية المتدهورة هي التي حركت؟ في رأينا الأسباب وراء ما يعرف بالربيع العربي متعددة ونوجزها كما يلي بالرغم من أن النتائج حتى اليوم لم تعط "ربيعا" لكن الوقت سيشير مستقبلا إلى الفشل أو النجاح .

أولا: بدأت التحركات في تونس في 17-12-2010 عندما أحرق محمد بوعزيزي نفسه احتجاجاً على الأوضاع العامة في البلاد . كانت الشعوب حاضرة للتحرك لأنها تعبت من سوء ممارسات الحاضر كما الماضي، أي أن لا شيء ستخسره من محاولات التغيير . كانت نسبة النمو في تونس 1 .3% في تلك السنة أي نسبة مقبولة وإن لم تكن جيدة . إذاً الأوضاع السياسية ترافقت مع نتائج اقتصادية غير باهرة ساهمت مجتمعة في تحريك الشارع . في مصر استقال الرئيس حسني مبارك في شباط 2011 وتبعتها تطورات كبيرة في معظم الأقطار العربية . كانت نسبة النمو في مصر في سنة 2010 حوالي 1 .5% وهي جيدة بكل المعايير، وإن تكن غير كافية لتغيير الأوضاع المعيشية للفقراء والأرياف . الاقتصاد لم يكن العامل الوحيد الدافع للتغيير.

ثانيا: في سنة ،2005 قامت مؤسسة "زغبي الدولية" باستفتاء الشعوب العربية في إطار نماذج إحصائية علمية تمثلها . سألتها، ما هي أولوياتها بل مما تعاني أكثر؟ كانت الأوجاع الاقتصادية في الطليعة . تركزت الأجوبة على مستوى البطالة وتوافر الصحة والتعليم كما على ضرورة محاربة الفساد.

ثالثا: مع توافر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وتقدم كل ركائز الاتصالات في سرعتها وأسعارها وامتداد الشبكات خاصة الخليوية، أصبحت الشعوب العربية واعية أكثر فأكثر على أوضاعها مقارنة بما يجري في العالم . لماذا يحق للغير ما لا يحق لنا، وبالتالي تراكم الشعور بالغبن مع الوقت . أصبحت الشعوب العربية واعية أكثر فأكثر على مستوى معيشتها وازدياد فجوات الدخل والثروة بين الطبقات الشعبية كما على خطورة الفساد المستشري على حساب الناس ومستقبلها . لا شك في أن سوء الخدمات العامة والاجتماعية المقدمة للفقراء ساهم في دفع غضب المواطنين إلى العلن والى حدود لم نشهدها من قبل.

رابعاً: سوء السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي استفاد منها الأغنياء . فالدعم الممارس من قبل العديد من الحكومات العربية للسلع النفطية والمواد الغذائية أرهق الموازنات، وكان الأغنياء المستفيدين الأولين منها لأنهم يستهلكون أكثر . في سنة ،2011 بلغت تكلفة دعم الطاقة 41% من إيرادات الدولة المصرية و24% من اليمنية و22% من الأردنية وبقي القليل للحاجات الأخرى . كانت تكلفة الصحة كبيرة جداً على الموطنين لأن ما تقدمه الدولة لم يكن كافياً . هذه كانت حال المواطنين في مصر وتونس حيث يضطر المواطن إلى الإنفاق على صحته من جيبه الصغيرة أصلا فوق ما تقدمه له الحكومات . تحاول الدول العربية اليوم تخفيف الدعم وإعطاء معونات مباشرة للأسر والشركات الصغيرة كي تكون هي المستفيدة من السياسات وليس الميسورين.

خامساً: لم تكن الثورات لتحصل لو بقي مؤيدو الحكومات السابقون على تأييدهم لهم . والقمع وسوء الأداء أفقدا الحكم في مصر وتونس وغيرهما التأييد التقليدي لهم من قبل قطاع الأعمال والطبقات الوسطى . تمادت الحكومات في الفساد الذي انعكس سلباً على الاقتصاد وأوضاع الفقراء.

*نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية.
http://www.alkhaleej.ae/analyzesandopinions/page/a66f529c-7e9e-4d86-bf19-7d926db756c0

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.