.
.
.
.

لو انفصلت اسكوتلندا؟

عصام الجردي

نشر في: آخر تحديث:

لا شيء يشي بأن القارة الأوروبية التي يسميها الأمريكيون "القارة العجوز"، ماضية إلى استكمال اتحادها دولة فيدرالية على غرار الولايات المتحدة وألمانيا الفيدرالية والاتحاد الروسي وغيرها من الفيدراليات . مع اقتراب موعد الاستفتاء في اسكوتلندا على الانفصال عن المملكة المتحدة يوم 18 سبتمبر/ أيلول ،2014 وتوقع استطلاعات الرأي ب"نعم" للانفصال، تمضي أشرعة السفينة الأوروبية في اتجاه مغاير للأسس والطموحات التي عليها بنيت الآمال، وعقدت الاتفاقات الأوروبية الآيلة في محصلتها إلى الاتحاد الكامل والناجز .

لم يكن أب الاقتصاد الحديث السكوتلندي آدم سميث قد ولد بعد حين وضع في 1707 "قانون الوحدة" بين انجلترا وبلاده الذي استولد بريطانيا العظمى والمملكة المتحدة في ما بعد . ولا دار في خلده حين تأليف كتابه الشهير "ثروة الأمم"، وتحدث عن "اليد الخفية" في الاقتصاد (الرأسمالي طبعا)، إن الاقتصاد بذاته ويده الخفية، سيغذيان الاتجاهات الانفصالية لاسكوتلندا عن مملكة صاحبة الجلالة . تأخذ اسكوتلندا على لندن اهتمامها بالخدمات المالية على حساب الصناعة والزراعة .

لم تختبر اسكوتلندا جدياً في مجال الصناعة . ربما لتقسيم عمل الاقتصاد ووظائفه داخل المملكة المتحدة . لكنها تتمتع بقدرات كبيرة لتطوير إنتاجها من الصناعات البتروكيميائية والصناعات المعدنية وصناعات النسيج . ولديها إمكانات واسعة في القطاع الزراعي مع موارد مائية هائلة . وهي منتج كبير للمشروبات الروحية .

يبقى النفط والغاز من بحر الشمال، كلمة السر في النزعة الانفصالية لأدنبرة . ويرى معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية البريطاني، انه في حال تم الانفصال وتقسيم أصول بريطانيا على المساحة الجغرافية، 90 في المئة من عائدات الضرائب من النفط والغاز ستكون من حصة اسكوتلندا . في حين أن الكمّ الكبير لديون هذا البلد سيتم تقسيمه تبعاً لحصة الفرد . وسيترتب على اسكوتلندا تحمل أعباء ديون بموجب اتفاق ماستريخت تناهز 86 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الاسكتلندي لعامي 2016 و2017" . ليس سهلاً إقامة تقدير عادل لحصة اسكوتلندا من اقتصاد المملكة المتحدة . ذلك أن معظم الاحصاءات المتعلقة بالأخيرة تأتي ضمن الاقتصاد البريطاني .

وفي مقاربة يتبين أن اسكوتلندا من نحو 3 .5 مليون نسمة بناتج محلي نحو 200 مليار دولار أمريكي . أي زهاء 39 ألف دولار أمريكي حصة الفرد سنوياً . ويقترب الرقم جداً من حصة الفرد إلى الناتج على مستوى المملكة المتحدة . الأخيرة من نحو 8 .63 مليون نسمة، بناتج محلي تريليونين و400 مليار دولار أمريكي بحصة الفرد إلى الناتج نحو 309 .38 ألف دولار أمريكي سنوياً .

واضح أن توزيع الدين العام البريطاني على أساس الفرد هو في مصلحة اسكوتلندا بالنظر إلى تعداد سكانها الضئيل . الأمر نفسه ينسحب على إيرلندا الشمالية (85 .1 مليون) وويلز (3 ملايين) المكونين الآخرين للملكة المتحدة إلى جانب إنجلترا واسكوتلندا . وكان الدين العام البريطاني في السنة المالية 2012- 2013 بلغ 2 .1 تريليون جنيه إسترليني ( زهاء 9 .1 تريليون دولار امريكي) .

وزير الخزانة البريطاني جورج أوزبورن سارع إلى تقديم تعهدات لحكومة أدنبره بعد نشر "صنداي تايمز" الأحد الماضي نتائج استطلاع مؤسسة يوغوف اظهر 51 في المئة من السكوتلنديين يؤيدون الانفصال، في مقابل 49 في المئة يعارضونه . ووعد بخطة "في الأيام المقبلة لمنح اسكوتلندا مزيداً من الاستقلالية في مجالات الضرائب والإنفاق والرعاية الاجتماعية إذا رفضت الانفصال .

وسترى الخطة النور بمجرد التصويت "لا" في الاستفتاء" . رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون حذر بدوره من "النتائج لسلبية التي ستترتب على اسكوتلندا في حال الانفصال" . فيما يرى رئيس الحزب القومي اليميني السكوتلندي أليكس سالموند بأن "الوقت أزف ليتحمل الشعب مسؤولية صناعة مستقبل البلاد" .

المؤكد أن اسكوتلندا تخسر الكثير في المرحلة الأولى حداً أدنى إن حصل الانفصال . وتخسر المملكة المتحدة بالضرورة . ذلك أن رهان الأولى على نفط الشمال وغازه لا يغنيها عن إقامة البنية التحتية التي تفتقدها للتحول إلى دولة صناعية بامتياز كما تطمح . لو تحملت حصتها من الدين العام البريطاني قد تواجه صعوبات جمة لتمويل الدين وعجز الموازنة .

المملكة المتحدة تدفع حالياً نحو 200 نقطة أساس فوق سند الخزانة لعشر سنوات لتمويل العجز . اسكوتلندا ستدفع هامشاً أعلى . اختيار العملة الخاصة بها يبقى موضع سؤال . وكذلك انضمامها إلى منطقة اليورو . الانطباع البديهي أنها في مأزق لو هي اختارت البقاء في منطقة الاسترليني بعد الانفصال أو اختارت ربط عملتها بها . أما الوعود التي تطلقها القوى اليمينية لتحسين الظروف المعيشية بعد الانفصال، فيعني الانفاق من عائدات النفط والغاز وتحول اسكوتلندا دولة ريعية لسنوات مقبلة . وتخسر المملكة المتحدة معنوياً واقتصادياً .

خروج دولة من مكوناتها التاريخية سيضعف مركزها داخل الاتحاد الأوروبي ودورها دولياً . كانت المملكة مصدراً صافياً للنفط حتى بداية الألفية الثالثة . تستورد الآن نحو نصف استهلاكها من هذه المادة .

ماذا لو جنحت إيرلندا الشمالية وويلز نحو الانفصال أيضاً؟ حجة المملكة المتحدة ضعيفة في وجه النزعات الانفصالية . هي أصلاً ضد الاندماج الأوروبي ولديها اتجاه قوي للانسحاب من الاتحاد . وتعارض الالتحاق بالعملة الأوروبية الموحدة . لو انفصلت اسكوتلندا، فالاتحاد الأوروبي امام فصل جديد من النزاعات .

*نقلا عن صحيفة "الخليج" الإماراتية.
http://www.alkhaleej.ae/analyzesandopinions/page/381d0d61-9268-4380-8fa2-c7b6f5bc0d46

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.