الأداء الأمثل في منطقة اليورو

كويتشي هامادا
كويتشي هامادا
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لا شك في أن منطقة اليورو تواجه توقعات اقتصادية قاتمة، فلا يزال النمو راكدا، والآن يلوح شبح الانكماش كبيراً في الأفق . والواقع أن رجل الاقتصاد مارتن فيلدشتاين، الذي كان من المتشككين في هذه المبادرة منذ البداية، يعتبرها الآن "فاشلة" . ولكن هل فيلدشتاين محق، أم أن منطقة اليورو قد تصبح "منطقة العملة المثلى"، كما تصورها مبدعوها؟

الواقع أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب أولاً وقبل كل شيء فهم التكاليف والفوائد المترتبة على أنظمة سعر الصرف المختلفة . لقد تأسس صندوق النقد الدولي قبل سبعين عاماً بهدف إدارة نظام "الربط القابل للتعديل" وهو نظام هجين، حيث كانت أسعار الصرف ثابتة في مقابل الدولار الأمريكي عادة، ولكنها كانت قابلة للتعديل من حين إلى آخر لتحسين الوضع التنافسي للبلاد في أسواق التصدير .

وفي العقود القليلة الأولى، كان هذا النظام منحازاً بشدة لمبدأ "الربط"، وذلك نظراً لإمكانية تحويل الدولار الأمريكي مباشرة إلى ذهب . وقد جلب هذا قدراً كبيراً من الاستقرار إلى النظام النقدي العالمي، في أعقاب موجة من خفض قيمة العملات لأغراض تنافسية في ثلاثينات القرن العشرين والتي اعتبرها بعض خبراء الاقتصاد مدمرة .

ولكن نظام سعر الصرف الثابت كان أيضاً سبباً في تقويض قدرة الولايات المتحدة على إدارة ميزان مدفوعاتها . ولهذا السبب، قرر الرئيس ريتشارد نيكسون في عام 1971 التخلي من جانب واحد عن إمكانية تحويل الدولار إلى ذهب، تاركاً أسعار صرف العملات الرئيسية معومة في مقابل بعضها البعض .

ويوفر هذا النظام مزايا مهمة وأبرزها أنه يمكن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من ضخ الأموال إلى شرايين الاقتصاد لمنع أو وقف الركود . ولكنه يحمل أيضاً مخاطر جدية، والتي تمثلت في اختلالات التوازن التجاري التي نشأت في ثمانينات القرن العشرين .

فخلال الفترة من عام 1980 إلى عام 1985 ارتفعت قيمة الدولار الأمريكي بنسبة 50% في مقابل عملات اليابان وألمانيا الغربية وفرنسا والمملكة المتحدة، وكان عجز الحساب الجاري الأمريكي يقترب من 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي أكبر أربع دول منافسة لأمريكا كانت الفوائض هائلة ونمو الناتج المحلي سلبيا . ومن أجل تصحيح اختلالات التوازن هذه، وقعت الدول الخمس على اتفاق بلازا، والذي بموجبه وافقت على التدخل في أسواق العملة لخفض قيمة الدولار .

وعلى هذه الخلفية ولِد اليورو، بهدف تعزيز الاقتصادات الأوروبية من خلال توسيع أسواقها "المحلية"، وخفض تكاليف المعاملات، وتسهيل تدفق المعلومات . وفي عام ،1991 كان فقدان السياسة النقدية لاستقلالها بمثابة مقايضة مربحة بالنسبة لاقتصادات أوروبا، واليوم، يبدو وكأنه ربما كان خطأً كبيراً .

الواقع أن تجربة أمريكا في الثمانينيات كان من الواجب أن تعمل بمثابة تحذير لمبدعي منطقة اليورو مفاده أن تقييد أيدي السلطات النقدية الوطنية قد لا يكون فكرة طيبة . وما كانت لتصبح هذه هي الحال لو عملت منطقة اليورو وفقاً لرؤية روبرت مونديل لمنطقة العملة المثلى، حيث تحل تعديلات العمالة ورأس المال محل تعديل سعر الصرف، وحيث تتجانس الصدمات (بدلاً من كونها غير متماثلة) . وعلاوة على ذلك، تشير تجربة ألمانيا مع إعادة توحيد شطريها إلى أن الاتحاد السياسي عنصر لا غنى عنه لنجاح مثل هذا الاتحاد .

غير أن أداء منطقة اليورو لم يلب أياً من هذه المعايير . والأمر الأكثر بروزا هو أن بلدان منطقة اليورو واجهت صدمات غير متماثلة قوية، والتي كانت استجابتها لها شبه مستحيلة بسبب افتقارها إلى أدوات السياسة النقدية المستقلة . وكانت نتيجة لهذا تتصارع مع أزمات اقتصادية متكررة .

ولكي نفهم القوة التصحيحية التي تنطوي عليها السياسة النقدية، فما علينا إلا أن نتأمل التقدم الذي أحرزته اليابان مؤخراً في الإفلات من عقدين من الركود التضخمي . وكان التوسع النقدي واحداً من السمات الثلاث الأساسية التي ميزت استراتيجية رئيس الوزراء شينزو آبي الاقتصادية وهو النهج الذي ربما كان ليتبع قبل سنوات طويلة لوقف الانحدار الحاد الذي سجلته قيمة الين . والمشكلة هي أن محافظي بنك اليابان الذين سبقوا هاروهيكو كورودا كانوا يتصرفون وكأنهم ملزمون بنظام سعر صرف ثابت .

وخلافاً للحال في اليابان، فإن فشل بلدان منطقة اليورو في تنفيذ تدابير سياسة نقدية جريئة ليس بالخيار الوارد . وتتلخص أداة السياسة النقدية الوحيدة المتاحة في التغيير الجماعي لقيمة اليورو نسبة إلى العملات الخارجية . ولكن استخدام هذه الأداة تقيده الفوارق الواسعة بين شهية البلدان بشكل منفرد لمستويات الأسعار التضخمية أو الانكماشية .

لا شك أن التكامل الاقتصادي الأوروبي أو العملية التي نستطيع أن نقول إنها توجت بإنشاء منطقة اليورو جلب أيضاً فوائد سياسية واضحة . فكما وعد روبرت شومان عندما تصور فكرة الجماعة الأوروبية، نجح التكامل الأوروبي في منع تكرار الحرب بين ألمانيا وفرنسا . ولكن هل كانت الوحدة النقدية على مثل هذا النطاق الواسع ضرورية لتحقيق هذه الغاية؟ الحق أنه لأمر مشكوك فيه .

الواقع أن منطقة اليورو قائمة على أي حال ومن الصعب للغاية تفكيكها بالكامل في هذه المرحلة . ولهذا فإن الهدف اليوم لابد أن يكون التحرك نحو منطقة عُملة مُثلى .

فبادئ ذي بدء، يتعين على زعماء أوروبا أن يدركوا أن منطقة اليورو، بتشكيلها الحالي، أكبر من منطقة العملة المثلى في أوروبا . ومن الواضح أن بعض بلدان منطقة اليورو اليونان بكل تأكيد، وربما إيطاليا وأسبانيا تحتاج إلى سياسة نقدية مستقلة . وإلا فإنها سوف تستمر في الانتقال من أزمة إلى أخرى، وسوف تواجه البلدان التي تقع داخل منطقة العملة المثلى ألمانيا وفرنسا على سبيل المثال.

*نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.