نحن .. ومكونات التنمية الاقتصادية

آسيا آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

عندما قام الباحثان شهرزاد رحمان وحسين عسكري بتطوير مؤشر لقياس مدى علاقة الدين بالتنمية بشكل عام والتنمية الاقتصادية بشكل خاص. مرتكزين بذلك على المبادئ الاقتصادية المستنبطة من الشريعة الإسلامية، حسب وجهة نظرهم في جميع المعايير المختارة. وقد شملت العينة المختارة دولا من مختلف القارات. وبنظرة سريعة على ترتيب الدول في التصنيف المقترح، نجد أن الدول الإسلامية، التي من المفترض أن تحتل المراتب المتقدمة، تحتل مراتب متأخرة في تصنيف الدول التي تطبق مبادئ الشريعة. والأدهى من ذلك، أن الدول ذاتها تحصلت على ترتيب متأخر في السنوات اللاحقة، ما يدل على وجود قصور واضح على مستوى التطبيق الفعلي.

عموما، المعايير الـ 12 المكونة للمؤشر هي: تطبيق اقتصادات السوق الحر، العدالة الاقتصادية، خلق فرص العمل وتكافؤ الفرص الوظيفية، ارتفاع معدل الصرف على التعليم كنسبة من الناتج المحلي، محاربة الفقر وتأمين الاحتياجات الإنسانية الأساسية، العدالة في تقسيم الثروة، وجود بنية تحتية لتقديم خدمات اجتماعية أفضل، ترشيد استخدام المصادر الطبيعية غير المتجددة وحجم الاستثمارات المتعلق بها، مستوى أعلى من تطبيق أخلاقيات العمل مثل الأمانة والثقة المتبادلة في جميع المعاملات الاقتصادية، نظام مالي يقوم على مشاركة المخاطر بدلا من استخدام الدين، التخلي عن نظام الفائدة المعمول به عالميا، حجم تبادل تجاري أكبر كنسبة من الناتج المحلي وكذلك حماية أكبر للبيئة والإشراف اللصيق على الأسواق كافة.

وبالنظر إلى كل تلك المكونات، نجد أنها من أبرز العوامل المحفزة للتنمية الاقتصادية. ولكن ثمة أسئلة نطرحها. فأولا، ألم يكن لزاما أن يتعمق البحث في دراسة مقاصد الشريعة كأساس لأي مبادئ اقتصادية إسلامية؟ وهي التي تحدث عنها علماء الشريعة على مدى القرون الماضية، فالبحث اعتمد على رؤية محدودة للاقتصاد الإسلامي. وبالحديث عن المعايير، فالمعيار الحادي عشر الذي تحدث عن عدم التعامل بالفائدة هو معاير غير منطقي، فالاقتصاد العالمي اليوم قائم على نظام الفائدة كأساس للنظام المالي العالمي. ثم إن البحث تحدث بصراحة عن وجود نقص كبير في البيانات عن أبرز المعايير مثل تقسيم الثروة، والأنظمة الضريبية في بعض الدول، بمعنى وفرة في المعلومات لبعض الدول ونقص واضح في البعض الآخر، فكيف نستطيع تكوين رأي عادل، ما ينعكس على الأوزان المعطاة لتلك المعايير وبالتالي على ترتيب الدول في التصنيف المقترح؟ كل هذا يؤثر بشكل جوهري في دقة الدراسة، ولكن ثمة سؤالا يجب طرحه، هل نقص البيانات ناتج عن عدم اجتهاد الباحثين في الحصول على البيانات الصحيحة أم نظرا لعدم توافر كل تلك البيانات، أو تضاربها في بعض الدول المشمولة. ألم يحن الوقت لإنشاء جهة مستقلة يمكن لأي باحث عالمي الرجوع إليها لتقديم المعلومات الموثقة؟

وبغض النظر عن الملاحظات التي ذكرناها أعلاه، لا نزال نرى أن جميع المعايير المستخدمة لها علاقة قوية بدفع عجلة التنمية الاقتصادية. وإذا ما كانت لدينا أي اعتراضات على الدراسة والنتائج التي خلصت إليها كما هو الحال مع ماليزيا وإندونيسيا، اللتين قامتا بتقديم اعتراض على الدراسة، خصوصا ماليزيا التي توجد لديها تجربة فريدة على مستوى الدول الإسلامية في تطبيق الاقتصاد الإسلامي، بل إن ماليزيا أبدت استعدادها للمشاركة في دراسة مطورة تأخذ بعين الاعتبار دقة البيانات المستخدمة وكذلك تطوير مكونات المؤشر الأساسية والفرعية.

فبالإمكان أن نحذو حذوهم ونقوم بالتعاون مع الباحثين بإعداد دراسة مطورة، خصوصا على مستوى المعايير المكونة للمؤشر والبيانات المستخدمة.

كما أنه وعلى مستوى آخر، يمكن تطوير هذه المكونات ليتم تطبيقها على شركاتنا المساهمة وبعض الشركات العائلية التي تتوافر فيها شروط معينة مثل حجم الشركة، مستوى مبيعاتها وربحيتها. ومن المؤكد أن النتائج التي ستخلص إليها ستكون لها دلالات واضحة على مستوى تأثير تلك الشركات في دفع العجلة التنموية المحلية وكذلك ما يمكن فعله لتصحيح المسار وزيادة الفعالية، وحبذا لو كانت الدراسة تستهدف عينة من الشركات من قطاعات عدة.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.