السياسة النقدية في لبنان: إعادة تقويم

ذكاء مخلص الخالدي
ذكاء مخلص الخالدي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تطرقت في مقالة سابقة نشرت في جريدة «الحياة» في أيار (مايو) 2012، إلى الآثار الاقتصادية للسياسة النقدية وبخاصة السياسة الائتمانية المتشددة التي ينتهجها مصرف لبنان، على الأداء الاقتصادي. فالقطاع الخاص بما فيه قطاع الاعمال، لا يحصل إلا على ربع حجم ودائعه والتي هي على الأغلب متوسطة وطويلة الأمد، بينما يذهب ثلثا هذه الودائع إلى الاقتراض الحكومي واحتياطات محتجزة لدى مصرف لبنان.

كما تطرقت إلى إغفال مبدأ الانماء المتوازن في السياسة الائتمانية حيث ينحصر 89 في المئة من القروض الممنوحة، على بيروت وضواحيها وجبل لبنان، بينما لا يحصل البقاع والشمال والجنوب، وهي مناطق محرومة وأحوج ما تكون إلى التنمية والاستثمار، إلا على 11 في المئة فقط.
أما التوزيع الوظيفي للقروض فهو الآخر يهمل الزراعة والصناعة التحويلية، اللتين تمثلان مصدراً مهماً لخلق فرص العمل، ولا تحصلان إلا على 4.2 في المئة من مجموع القروض إلى القطاع الخاص، بينما يذهب 78 في المئة منها إلى القروض الفردية بما فيها قروض السكن.

وتشجع هذه القروض بإستــــثناء الأخيرة، على الانفاق الاستهلاكي الذي يصل في بعض الأحيان إلى حد المــبالغة. وبينتُ فيها أن مصرف لبنان نجح فعلاً في حماية استقرار الليرة في ظل ظـــروف محلية واقلـــيمية ودولـــية غير مؤاتية اقتصادياً وأمنياً، ولكن هذا النجاح تم على حساب الأداء الاقتصادي خصوصاً أن المصارف التجارية تمثل مصدر الاقراض المهم في الاقتصاد اللبناني بينما تمثل تسليفات مصارف الأعمال أقل من 5 في المئة من مجموع تسليفات المصارف التجارية. والآن وبعد مرور سنتين نجد أن الحالة لم تتغير على رغم الارتفاع البسيط في مقدار تسليفات القطاع الخاص والتي كما سبق وذكرت أكثرها له طابع استهلاكي.

وعندما يتم تقويم هذه السياسة من زاوية أخرى، اي احتياطات مصرف لبنان من الذهب والعملات الأجنبية والتي تعتبر مهمة لدعم استقرار العملة، نرى أنها بلغت في تموز (يوليو) الماضي 50.8 بليون دولار. وعند مقارنة قيمة الاحتياطات بقيمة العملة المتداولة بالليرة اللبنانية، نجد أن هذه الاحتياطات لا تغطي فقط كامل العملة في التداول في تموز 2014 والتي بلغت 3589.4 بليون ليرة او ما يعادل أكثر قليلاً من 2 بليون دولار، وإنما تغطيها بنسبة 2500 في المئة.

ومن المعروف ان العملة في التداول اذا كانت تتمتع بغطاء من العملة الاجنبية والذهب يساوي 100 في المئة، يعتبر البلد وكأنه يطبق قاعدة الذهبGold Standard من دون أن يكون متبنياً لهذه القاعدة رسمياً. وإذا كان يغطيها بنسبة أقل ولنقل على سبيل المثال 70 في المئة، يعتبر البلد مطيفاً لما يسمى بمخلفات قاعدة الذهب. وعند إضافة الودائع تحت الطلب والتي بلغت في الشهر نفسه 4557.4 بليون ليرة أو أكثر قليلاً من 3 بلايين دولار يكون عرض النقد بتعريفه الضيق M1 قد بلغ 8146.8 بليون ليرة أو 5.4 بليون دولار. وهنا أيضاً لا يغطي حجم احتياطات مصرف لبنان من الذهب والعملة الاجنبية 100 في المئة من M1 وإنما 940 في المئة.

وإذا أضيفت الودائع المتوسطة والطويلة الأمد بالليرة والتي بلغت في الشهر ذاته 63133.8 بليون ليرة أو ما يعادل 42 بليون دولار، سيكون عرض النقد بمعناه الواسع M2 والبالغ 71280.6 بليون ليرة أو 47.5 بليون دولار مغطى بذهب وعملات أجنبية بأكثر من 100 في المئة. وإذا اضيفت الودائع بالعملات الأجنبية وسندات الدَين التي بلغت في الشهر ذاته 102692.9 بليون ليرة أو 68.6 بليون دولار، يصبح التعريف الأوسع لعرض النقد M3 مساوياً لـ174240.4 بليون ليرة أو نحو 116.2 بليون دولار.

وبذلك يغطي احتياط مصرف لبنان من الذهب والعملات الاجنبية 43 في المئة من حجم الكتلة النقدية M3. صحيح أن بعض الدول خصوصاً الدول النفطية الغنية، يحتفظ باحتياطات عالية من الذهب والعملات الأجنبية تغطي عملتها في التداول 100 في المئة وأكثر، ولكن ذلك يعود إلى قوة اقتصاداتها المدعومة بموارد نفطية مستمرة. ولا يؤثر هذا الاحتياط العالي على مستوى النشاط الاقتصادي فيها وحجم الاستثمار القومي.

ولكن تراكم احتياط مصرف لبنان ليس مصدره قوة الاقتصاد اللبناني وإنما سياسة ائتمانية متشددة أثرت سلباً على أداء الاقتصاد اللبناني وعلى حجم الاستثمار القومي بشقيه (استثمار القطاعين الخاص والعام). وتعتبر معدلات الاستثمار في لبنان الأدنى بين دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا. ويعتقد كثير من المعنيين بالشأن الاقتصادي اللبناني أن هناك انعداماً كلياً تقريباً في استثمارات القطاع العام وتناقصاً في استثمارات القطاع الخاص في مقابل زيادة مستمرة في معدلات الاستهلاك، ما يؤثر سلباً على الاقتصاد اللبناني.

يذكر أن النظرية الاقتصادية لا تشجع رفع الاحتياطات النقدية لأية دولة إذا كان ذلك على حساب الأداء الاقتصادي وتحجيم الاستثمار، بل تعتبره ظاهرة سلبية يجب معالجتها.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.