مجازفة غير محسوبة

عصام الجردي
عصام الجردي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تحبس الأسواق المالية الدولية أنفاسها في انتظار جلسة مجلس المصرف المركزي الأوروبي في 4 كانون الثاني/ يناير 2015 لمناقشة ما إذا كان المصرف سيقر برنامجاً لشراء السندات الأوروبية بما في ذلك سندات الدين الحكومية في دول منطقة اليورو . الأمر الذي تعارضه ألمانيا بشدة، بينما يعتبره رئيس المصرف المركزي ماريو دراغي حاجة لا بد منها، بعد دخول المنطقة مرحلة الركود، وتراجع مستوى التضخم إلى نحو 3 في المئة من 2 في المئة المعدل المستهدف من المصرف . وجه الغرابة في تراجع التضخم، وهو محمود عادة في حالات النمو الاقتصادي لأي بلد أو منطقة، أن كل السيولة الرخيصة التي زج بها المصرف المركزي الأوروبي في السوق بفائدة أقرب إلى الصفر، المصحوبة بالتوسع في الكتلة النقدية، تركت أثراً معاكساً على التضخم خلافاً للقاعدة . تفسير ذلك ما يواجهه المصرف المركزي الأوروبي الآن . تراجع الطلب الداخلي بشقيه الاستهلاكي والاستثماري الذي يترجم نفسه بتراجع الأسعار والتضخم مع ركود وبطالة في منطقة اليورو من 5 .11 في المئة . وسيجد المصرف المركزي نفسه وجهاً لوجه مع ألمانيا في حال أظهر مؤشر أسعار المستهلكين (المقياس الأكثر دقة للتضخم) المنتظر الجمعة المقبل تراجعاً إضافياً قد يكون الأدنى منذ 2009 . السنة التي تلت الأزمة المالية العالمية 2008.

دراغي، وقد فرغت يداه من الأدوات التقليدية وغير المسبوقة أيضاً ضمن صلاحيات المصرف، قال الأسبوع الماضي إنه ذاهب إلى شراء السندات الحكومية وتلك المضمونة بأصول، لرفع مستوى الأسعار وحفز النمو وجبه الركود.

هل بلغت العلاقة غير المستقرة بين ألمانيا والمصرف المركزي الأوروبي حد الصدام المباشر على خلفية إعلان رئيس المصرف عزمه التدخل لشراء الأصول بما في ذلك سندات الدين الحكومية وسندات الشركات في منطقة اليورو؟ التساؤل مطروح بقوة الآن . المصرف المركزي الأوروبي موقن بأن دول اليورو في أزمة اقتصادية كبيرة مردها إلى اهتزاز ثقة المستهلك والمستثمر في وقت واحد . بينما تعارض ألمانيا بشدة قرار المصرف، وترى أنه لن يؤدي في النهاية إلى انتعاش اقتصاد منطقة اليورو، "وسيكبد دول المنطقة حزمة من مئات مليارات اليورو" . وتصفه بأنه سيدفع الدول التي تعاني عجوزاً وديوناً كبيرة في المنطقة إلى التخلي عن الاصلاحات المالية التي تعهدت القيام بها.

من العبث الاعتقاد بنجاح خطة أو برنامج للمصرف المركزي الأوروبي من دون دعم ألماني مالي وسياسي كامل . في الشق المالي تعتبر ألمانيا أنها تحملت العبء الأكبر من كل برامج الدعم لمنطقة اليورو بما في ذلك صندوق الانقاذ وصندوق دعم المصارف الأوروبية، وحصتها من الدعم المباشر هي الأكبر للدول التي ترنحت على حافة الإفلاس مثل اليونان وإيرلندا وإسبانيا والبرتغال . ألمانيا أيضاً ليست بعيدة عن كأس الركود في حال استمر تباطؤ اقتصادها وهزال المؤشرات الاقتصادية الرئيسية لديها . ولو أن بعض الاقتصاديين الألمان يراهن على تحسن النمو في الربع الأخير من 2014 .
ألمانيا على رأس منظومة اليورو، قادت المحاولات الدؤوبة سنوات طويلة لإيجاد عملة أوروبية موحدة . ما يقلقها أن فرنسا الشريك الثاني الأكبر في الاتحاد النقدي، تواجه هي الأخرى ركوداً واضحاً ومشكلات اقتصادية واجتماعية، دفعت بها إلى صف دول الجنوب في منطة اليورو الأشد معاناة من المديونية والمتاعب الاقتصادية . إيطاليا في مقدمة تلك الدول . وهي الثالثة حجماً اقتصادياً بين دول اليورو . صحيح أن المردود الاقتصادي لألمانيا من الاتحاد النقدي كان أكبر من مثيله في دول الاتحاد الأخرى . بيد أن الأمر مرتبط أيضاً بقاعدة ألمانيا الصناعية وتنافسيتها الخارجية وقدرة انتاجها على اختراق أسواق دولة مصدرة أولى في العالم قبل أن تنتزع منها الصين هذه الخاصية في 2013.

رئيس البوندسبنك ينس ويدمان وصف برنامج المركزي الأوروبي لشراء السندات بعملية نقل مخاطر الائتمان من الدائنين إلى المصرف المركزي الأوروبي . ويدمان وهوعضو في مجلس المصرف المركزي الأوروبي كان يعبر عن اتجاه قوي في المجلس لتقرير البرنامج خلافاً لرأيه . سياسياً بدأت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحسب منذ الآن للانتخابات العامة المقبلة التي قد تسفر عن خسارة الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم الأكثرية في البوندسبنك في حال موافقتها على البرنامج المرفوض شعبياً . علماً أن مجموعة كبيرة من الناشطين والمحامين الألمان رفعوا قضية إلى محكمة العدل الأوروبية بدعوى تعارض البرنامج مع الاتفاقات الأوروبية الراعية للاتحاد النقدي الأوروبي . لاسيما ماستريخت وبرشلونة . والمحكمة أخرت البت فيها أكثر من شهر . لاسيما وأن مجلس النواب الألماني (البوندستاغ ) كان حدّ من صلاحيات المستشارية تقديم أي دعم مالي إضافي إلى منطقة اليورو إلاّ بقرار منه.

وبحسب دراغي بلغت حزمة الدعم والتسهيلات التي قدمها المركزي الأوروبي إلى دول منطقة اليورو بما في ذلك إلى اليونان وإيرلندا نحو 3 .1 تريليون يورو . الدفع ببرنامج تيسير على غرار برنامج مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي في غياب صلاحية المصرف المركزي، أو المفوضية الأوروبية في الرقابة على موازنات الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي، كما هي الحال في رقابة الكونغرس على مجلس الاحتياط مجازفة غير محسوبة.

*نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.