.
.
.
.

إغلاق المحلات عند التاسعة.. يا مرحباً

احسان بو حليقة

نشر في: آخر تحديث:

لن أخفي ترحيبي بقرار إغلاق المحلات عند التاسعة، مع استثناء المطاعم والمقاهي والصيدليات وما في حكمها. ولعل من المناسب بيان أن هذا أمر حظي بنقاش طويل دام قرابة عقدٍ من الزمن. وبالنسبة لي بدأت القصة في أروقة الشورى، عندما كنت عضواً، فقد طلب مني القامة السامقة والرجل الفاضل وشيخ الشورى القانوني د. عبدالعزيز العلي النعيم أن نلتقي لنتحدث في أمر مشروعٍ كان قد أعده، وبالفعل أطلعني عليه، ولا اخفيكم أني ابتهجت بالمشروع كثيراً. كان المشروع هو لإغلاق المحال مبكراً، وكان أحد الأهداف الرئيسية في الحيثيات التي ذكرها أبو محمد في وثيقة مشروعه، تعزيز فرص «السعودة» من خلال تحسين فرص وبيئة العمل للمواطنين.

وأذكر أن الشورى ناقش المشروع مبدئياً، وتبعاً لإجراءاته قبله من حيث المبدأ، وشكل لجنة لدراسته، وكنت ضمن اللجنة، وكجزء من الدراسة استدعينا أصحاب العلاقة، وكان أحد الاجتماعات مع قادة الدوريات في أنحاء المملكة، وبالنسبة لي كان اجتماعاً تنويرياً، ولازلت أذكر كيف تحدث الضابط المسئول عن الرياض قائلاً: تصور كم من الدوريات أحتاج لتغطية شارع واحد من شوارع الرياض الرئيسية التي تمتد عشرات الكيلومترات؟ ثم تصور كم من الدوريات علي أن أخصص لأماكن التجمع، مثل تقاطع شارع التخصصي مع طريق مكة، حيث تكثر تجمعات السيارات لساعة متأخرة ليلاً؟

كان ذلك جانباً أمنياً، وهو مهم لا شك، لكن نظرتي تنطلق أساساً من الناحية الاجتماعية- الاقتصادية، وترتكز حول رؤية أبي محمد، والتي تقوم على تحسين فرص العمل، ولا سيما لبناتنا وأخواتنا السعوديات، وخصوصاً من يعملن في محلات تجارة التجزئة، فليس منطقاً أن يمكثن حتى ساعة متأخرة ليلاً. ويمكن الجدل أن تنظيم وتقنين ساعات العمل بحد أقصى التاسعة ليلاً سيحسن فرص التحاقهن بفرص التوظيف في قطاع التجزئة، وهو أحد القطاعات التي تمثل منجما يعج بمئات آلاف فرص التوظيف للمواطنين والمواطنات.

وبدون الرغبة في استفزاز أحد، أجد أن فتح تلك المحلات حتى التاسعة متأخر، والأجدى أن تغلق محلات بيع التجزئة مع أذان العشاء ولا تتجاوزه، أي مع دخول الليل. وعلينا تذكر أننا لا نتحدث عن أماكن بيع المأكل والمشرب فهي مفتوحة استثناءً حتى ساعة متأخرة، بل نتحدث عما سواها، والتي تبيع بضائع يمكن أن تشترى نهاراً. ولا ننسى أن من يريد (أو تريد) التسوق لساعات ممتدة، فأمامه (أمامها) عطلة نهاية الأسبوع. أقول هذا مدركاً أن كلاً منا لا يريد تغيير ما اعتاد عليه من أنماط، لكننا ما أسرع أن نغيرّ أنماطنا تلك عندما نسافر خارج البلاد، في كل بلدان الدنيا، في نهاية النهار صاحب المحل لديه أسرة والتزامات اجتماعية لابد لها من وقت، وليس عمالة وافدة تأتي من التاسعة أو العاشرة صباحاً وتستمر حتى منتصف الليل، تذهب بعدها لتنام، ولتعاود في اليوم التالي العمل من الصباح الباكر حتى منتصف الليل! هذه الساعات الممتدة ليس لها منطق اجتماعي، ولها منطق اقتصادي قائم على تعظيم مصلحة صاحب المحل على حساب بقية الأطراف.

وهكذا، نجد أن قرار إغلاق المحلات مبكراً يزيل أحد التشوهات التي تعاني منها سوق العمل في قطاع تجارة التجزئة كونها قامت على أن العاملين ليست لهم حياة أسرية أو اجتماعية، هذا أمرٌ لابد أن يزول، فهذه الفرص الوظيفية علينا أن نعيد هيكلة ظروفها حتى تنسجم مع موظفين وموظفات لهم أسر وحياة خارج نطاق العمل.

*نقلاً عن صحيفة "اليوم" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.