.
.
.
.

مصر والاستثمارات الخليجية

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

على رغم أهمية الجانب السياسي، لا يقل البعد الاقتصادي حضوراً في زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الكويت والإمارات. قد تكون بلدان الخليج في أوضاع اقتصادية غير مواتية بعد تراجع أسعار النفط إلى مستويات متدنية وغير متوقعة، ولكن يظل دعم الاقتصاد المصري مهماً لكل بلدان الخليج، حيث إن إنعاشه وتعزيز الأمن السياسي والاجتماعي من الأمور الإستراتيجية لبلدان المنطقة.

ولا شك في أن دعم الاقتصاد المصري لا يجب أن يقتصر على دور الحكومات بل يجب أن تتاح الفرص للقطاع الخاص الخليجي ليلعب دوراً في تطوير أوضاع الاقتصاد المصري.

يملك القطاع الخاص في دول الخليج إمكانات مالية مهمة، ولا يجد فرصاً كافية لاستثمار الأموال في هذه الدول بما يحقق نتائج مُرضية. لكن كي يكون الاقتصاد المصري جاذباً أكثر، لابد من إنجاز إصلاحات هيكلية وإدارية تشمل تشريعات جديدة للتعامل مع الاستثمار وحقوق المستثمرين، وكذلك تفعيل القوانين ذات الصلة والتي صدرت منذ العام 1974، وتشذيب الإجراءات الإدارية وتطويع البيروقراطية من أجل استيعاب قيم جديدة ومفاهيم أكثر تعاطفاً مع الإصلاح الاقتصادي والقطاع الخاص، المصري والأجنبي. ويبدو أن الرئيس السيسي وحكومته يقدران هذه الهواجس.

لكن هل ستكفي الاستثمارات الخاصة لمعالجة مشكلات الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة؟ إن الاستثمار في القطاعات الحيوية مثل الصناعات التحويلية والسياحة والزراعة والبترول والخدمات قد تفعّل النشاط في القطاعات المذكورة وتزيد الفرص للمصريين المتدفقين بكثافة إلى سوق العمل. بيد أن هناك أهمية لتوفير الدعم الاقتصادي على الأمد القصير للحكومة المصرية لمواجهة المشكلات الملحة. ومن أهم المشكلات عجز الموازنة والحساب الجاري. ربما اتخذت الحكومة الحالية إجراءات للتعامل مع هذه المسائل، ومنها ترشيد دعم الوقود ولكن لا تزال الأمور غير مقبولة من وجهة نظر المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدولي، في شكل يسمح بتقديم قروض جديدة. ويظل العجز مرتفعاً ويصل إلى 14 في المئة من الناتج.

يذكر أن دول الخليج قدمت منذ أواسط عام 2013 معونات مالية مهمة وقروضاً ميسرة لمصر، إلا أن متطلبات الاقتصاد المصري مرتفعة. وعند أخذ الأوضاع الاجتماعية في الاعتبار تظهر أهمية التدرج في عملية الإصلاح الاقتصادي. وهناك تقديرات بأن 45 في المئة من المصريين يعانون من الفقر، بموجب معايير الأمم المتحدة. كما تصل نسبة البطالة إلى 13.4 في المئة. هذه الحقائق تصعّب اتخاذ القرارات السياسية المناسبة للإصلاح الاقتصادي.

هناك ملامح لتعاون اقتصادي أفضل بين مصر ودول الخليج، خصوصاً أن اتفاقات تمت من أجل تعزيز الاستثمار في مصر وتأسيس مجالس مشتركة لبحث المشاريع الملائمة. وعلى الحكومة المصرية أن تحدد المشاريع ذات الأهمية الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تعرض على المستثمرين. فالقطاع الزراعي في مصر عانى تراجعاً منذ العام 1952، بعد اتخاذ إجراءات بموجب قانون الإصلاح الزراعي، وتقلصت الأراضي الزراعية وتدهورت إدارة القطاع ورحل كثير من الفلاحين من الريف إلى المدينة أو هاجروا. ولا تزيد مساهمة هذا القطاع على 14.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في مصر. كذلك تدهور الإنتاج وأصبحت مصر مستوردة للقمح والأرزّ وغيرها من سلع غذائية رئيسية بعد أن كانت تكتفي بإنتاجها.

ربما أدى النمو السكاني المتسارع إلى زيادة الطلب على هذه السلع، ولكن يجب أن نأخذ في الاعتبار تراجع وتيرة الإنتاج. وهكذا تظهر أهمية أن تضع الإدارة الاقتصادية ثقلها لدفع المستثمرين إلى توظيف أموال في القطاع الزراعي نظراً لأهميته للأمن الغذائي وخلق فرص عمل في الأرياف. وفي الوقت ذاته، تمكين المستثمرين من ولوج هذا القطاع، وربما زيادة التجارة البينية في السلع الغذائية بين مصر وبلدان الخليج في المستقبل، إذا تم تنشيط القطاع. ولابد من تفعيل منشآت الصناعات التحويلية والتي تعاني من التعطيل وضعف الإمكانات وتدني مستوى التقنيات المستخدمة.

أما قطاع السياحة فهناك استثمارات خليجية مهمة فيه، بدأت منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، وبعد الصدمة النفطية الأولى عام 1974. ووظفت أموال خليجية ومصرية مهمة في المنتجعات والفنادق ما أدى إلى تحسين الجاذبية السياحية في مصر إلى درجة أن القطاع أصبح من أهم مصادر الإيرادات السيادية في مصر. وكان عدد السياح عام 2010 يمثل نسبة عالمية مهمة تبلغ14.7 مليون سائح. وخلال ذلك العام بلغ الدخل السيادي من السياحة ما يقارب 12.5 بليون دولار، وتمكن القطاع من توظيف 12 في المئة من قوة العمل المصرية وساهم بـ11 في المئة من الناتج. وعلى رغم تراجع أداء القطاع خلال السنوات الأربع الماضية، فإن المستثمرين الخليجيين والعرب يتطلعون لانتعاش القطاع بما يشجعهم على توظيف مزيد من الأموال في الفنادق والمنتجعات.

لكن هناك قطاعات حيوية تتطلع إلى الاستثمار مثل السكن المتوسط والشعبي. وهناك شركات خليجية وأخرى مشتركة، يمكن أن تحدد ملامح الاستثمار في هذا القطاع الحيوي. يضاف إلى ذلك أهمية الارتقاء بمستويات العمالة المصرية من خلال برامج التعليم التقليدي والمهني لتعزيز التحول نحو اقتصاد يعتمد على العلم والمعرفة، وهنا يمكن التوافق مع دول الخليج على برامج محددة لتوظيف مزيد من الأموال، ما يرفع القدرة على التحصيل الدراسي.

إن زيارة الرئيس المصري لدول الخليج لا بد أن تكون بداية لتعاون إستراتيجي في المجالات الاقتصادية، يعود بالفائدة على الاقتصاد المصري وعلى المستثمرين الخليجيين.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.