.
.
.
.

اقتصاد لبنان على وقع الأزمة السورية

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

أدت تداعيات الأوضاع المضطربة في سورية إلى معاناة اقتصادية واضحة في لبنان. ونزح العديد من السوريين إلى لبنان. ولا شك في ان الثورة السورية أدت إلى استقطابات طائفية وسياسية في الساحة اللبنانية. ولا بد من ان هذه الأزمة السورية زادت تعقيد الأوضاع في لبنان فتراجعت معدلات النمو الاقتصادي فيما تواجه القطاعات الاقتصادية في لبنان ركوداً ثقيلاً. وثمة تراجع في نشاط قطاعي السياحة والصناعات التحويلية والطلب الاستهلاكي. ويقدر الناتج المحلي الإجمالي في لبنان بـ 44 بليون دولار يساهم قطاع الخدمات بـ 76 في المئة منها في حين تبلغ مساهمة الزراعة خمسة في المئة والصناعات التحويلية 19 في المئة.

وتمتع لبنان بنشاطات اقتصادية مهمة مكنت من تصدير سلع صناعية وزراعة، لكن قيمة الصادرات، الآن، لا تزيد على 7.3 بليون دولار. وتتمثل الصادرات اللبنانية بالمجوهرات والمواد الكيماوية والفواكه والدخان والمنسوجات ومواد البناء. وتعتبر جنوب أفريقيا وسويسرا والسعودية والإمارات وسورية والعراق من أهم الأسواق التصديرية للبنان. لكن لبنان ظل يستورد بتكاليف تزيد عن إيراداته من التصدير، إذ بلغت قيمة الواردات عام 2012 نحو 21 بليون دولار. ويستورد لبنان المواد النفطية ووسائط النقل مثل السيارات والمواد الطبية والألبسة واللحوم والماشية. وتعتبر الولايات المتحدة وإيطاليا والصين وفرنسا وألمانيا وتركيا من أهم البلدان المصدرة إلى لبنان.

لبنان ما زال يعاني ارتفاع قيمة الديون الخارجية التي ناهزت 40 بليون دولار. واضطرت الحكومة اللبنانية بعد نهاية الحرب الأهلية عام 1991 إلى الاستدانة من مختلف المؤسسات المالية الدولية ومن عدد الدول العربية والأجنبية لمواجهة استحقاقات إعادة الإعمار في البلاد. وإذا أمعنا في الدين العام نجد أنه يمثل مبلغاً أكبر بعدما استدانت الحكومة من المؤسسات الوطنية ليبلغ هذا الدين 75 بليون دولار. هذا الدين العام قابل للارتفاع نظراً إلى استمرار الاستدانة لتمويل عجز الموازنة الحكومية والذي قدر بأكثر من خمسة بلايين دولار عام 2014. ومما لا شك فيه ان لبنان يعاني تداعيات الربيع العربي، خصوصاً تدهور الأوضاع السياسية والأمنية في سورية. قبل 2011 كانت تقديرات معدل النمو الاقتصادي بحدود تسعة في المئة سنوياً، لكن هذا المعدل يقدر الآن بحدود واحد في المئة.

وكان اللبنانيون يعتبرون السياحة مصدراً مهماً للإيرادات السيادية لكن هذا المصدر ساهم عام 2014 بما لا يزيد على 3.2 بليون دولار أو 6.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا أخذنا في الاعتبار المساهمات غير المباشرة للسياحة في لبنان ترتفع الحصة إلى تسعة بلايين دولار. ويبقى قطاع السياحة أهم القطاعات في توفير الوظائف، إذ مثلت وظائفه 19 في المئة من قوة العمل بما يساوي 261 ألف وظيفة. ويرى مراقبون ان أي انتعاش اقتصادي في البلاد يعتمد على تنشيط قطاع السياحة وذلك لن يتحقق من دون توفير استقرار أمني وبعد نهاية للحرب الأهلية الدائرة في سورية. وعلى رغم ان عدداً لا بأس به من الخليجيين والمغتربين اللبنانيين ما زالوا يتقاطرون على لبنان فإن عزوف الأوروبيين والآسيويين والأميركيين عن زيارة البلاد لا يمكّن من تنشيط القطاع السياحي والارتقاء بأدائه.

ومن أهم ملامح تأثيرات الأوضاع في سورية على لبنان تدفق اللاجئين السوريين على مختلف مناطق لبنان. وتمثل هذه الأعداد من اللاجئين عبئاً اقتصادياً ومعيشياً على بلد مثل لبنان محدود الموارد والإمكانات، وهو بلد لا يزيد عدد سكانه على 4.5 مليون شخص. وتفوق هذه الأعداد أعداد السوريين في لبنان أبان التواجد العسكري السوري في البلاد بين 1976 و2005، آنذاك شكل السوريون مصدراً للعمالة المنخفضة التكلفة ما شكل منافسة للعمالة اللبنانية. لكن التواجد السوري الآن يتمثل بأفراد وأسرهم تتزايد أعدادهم مع مرور الوقت وليس لديهم مصادر للرزق بما يدفع السلطات اللبنانية للبحث عن موارد مالية للتعامل مع تواجدهم في مختلف المدن والمناطق اللبنانية.

وبين السوريين المقيمين في لبنان اليوم عدد لا بأس به من الميسورين الذين قد يوظفون أموالهم في أصول لبنانية، خصوصاً العقارات، وينفقون على متطلباتهم الاستهلاكية، لكن هؤلاء لا يمثلون نسبة تذكر بين جموع اللاجئين السوريين. وكان كبار الأغنياء في سورية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي يمثلون أهم المستثمرين في لبنان وأقام هؤلاء آنذاك العديد من العمارات السكنية والمكتبية في بيروت وعدد من المدن اللبنانية.

وعمل المستثمرون السوريون في لبنان في تلك الفترة بعد تبني السلطات في سورية في زمن الوحدة المصرية - السورية وبعد تولي البعث السلطة، مفاهيم اقتصادية مناوئة لفلسفة اقتصاد السوق وأدى ذلك إلى تأميم مصالح أصول العديد من رجال الأعمال.

الآن كيف يمكن انتشال أوضاع الاقتصاد من محنة الأوضاع السورية؟ لن تكون الأمور وردية في الأمد القصير ما لم تحدث تطورات إيجابية في سورية ويتوقف القتال ويستقر السوريون في مدنهم وقراهم ويعود اللاجئون إلى ديارهم. لبنان يملك إمكانات مهمة قابلة للتطوير ومن ثم تحسين أداء الاقتصاد.

ويمكن ان يؤدي الاستقرار إلى رفع مستوى تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد والتي قدرت بـ 2.8 بليون دولار في 2013. وتوقف الصراع في سورية لن يوقف تدفق اللاجئين إلى لبنان فقط بل سيوقف أيضاً التوترات الناتجة منه بين الأفرقاء اللبنانيين ويعزز إمكانيات الوحدة الوطنية والتوافق على المستقبل السياسي للبلاد بما يمكن من توفير أرضية جيدة للعمل الاقتصادي والارتقاء بالثقة بين المستثمرين المحليين والأجانب.
التحديات التي تواجه الاقتصاد اللبناني ليست يسيرة وتتطلب إرادة سياسية واستقراراً سياسياً وأمنياً في لبنان وفي الجوار. وعند توفر ذلك الاستقرار ثمة أهمية لحفز المؤسسات المالية الدولية والشركات العربية والأجنبية لتوظيف الأموال في القطاعات ذات الجدوى الاقتصادية.

ويواجه لبنان حالياً تزايد أعداد العاطلين من العمل إذ تصل نسبة البطالة، بموجب الإحصاءات الرسمية، إلى 13 في المئة من قوة العمل. ويصل الدين العام الإجمالي إلى 146 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويرجح ان المؤسسات التنموية العربية والعديد من شركات الاستثمار في الخليج ومجموعة مهمة من رجال الأعمال لديهم الرغبة والاستعداد لتوظيف أموالهم في لبنان في القطاعات الحيوية ومنها قطاع السياحة والعقارات والصناعات التحويلية والمصارف. وتتوافر في لبنان بنية مؤسسية جاذبة للاستثمارات الخاصة، وهو بلد مضياف يمكن ان يجذب السياح من مختلف بلدان العالم متى ما تجاوز معضلات الأمن والصراع.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.