.
.
.
.

انخفاض أسعار النفط .. هل يحسّن شروط الاستثمار؟

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

الانخفاض الحاد في أسعار النفط الخام زاد الضغط على الدول المنتجة للنفط، حيث إن الحكومات تقوم بخفض النفقات وتستعد لهبوط عنيف في الإيرادات. لقد استغل معظم المنتجين الرئيسيين ارتفاع أسعار النفط على مدى العقد الماضي في تحسين استقرارهم الاقتصادي وأوضاعهم الداخلية، وذلك باستخدام فوائض الميزانية لسداد الديون الخارجية وبناء احتياطي من النقد الأجنبي. سوف يوفر هذا الفائض النقدي بعض التخفيف من صدمة الأسعار الحالية. لكن عدا دول الخليج العربي، يواجه معظم المنتجين الرئيسيين للنفط مخاطر جدية من الركود الطويل في الأسعار، بما في ذلك فنزويلا، روسيا، ونيجيريا.

في ظل الانخفاض الحاد في الأسعار، وقيام شركات النفط بخفض ميزانياتها وتجميد مشاريعها الجديدة، هل ستتخذ الحكومات المضيفة إجراءات لتحسين شروط التعاقد؟ على الرغم من أنه من الناحية الاقتصادية ينبغي القيام بذلك، لكن التجارب السابقة تشير خلاف ذلك. تميل شروط التعاقد المالية إلى أن تكون صارمة. عادة ما تتحرك الحكومات المضيفة بسرعة لزيادة الضرائب والعوائد عندما ترتفع أسعار النفط، لكنها تتردد في تغييرها عندما تنخفض الأسعار- يعود السبب في ذلك جزئيا إلى وجود فاصل زمني بين انخفاض الأسعار وتأثير ذلك في ميزانيات الحكومات.

يسهم عديد من العوامل في إيجاد ضغوط لفرض شروط استثمارية أكثر صرامة. على سبيل المثال، الاكتشافات الكبيرة في المنطقة يمكن أن تقلل من مخاطر الاستكشاف وتجذب اهتمام المزيد من المستثمرين، ما يدفع الحكومات إلى تشديد شروط التعاقد المالية. الأمثلة على ذلك كثيرة، ولا سيما في منطقة شرق إفريقيا - حيث إن الاكتشافات الضخمة دفعت موزمبيق وكينيا إلى رفع نسبة الحكومة وفرض ضرائب جديدة على أرباح رأس المال. الزيادة السريعة في أسعار النفط قد تدفع الحكومات أيضا إلى إعادة النظر في العقود – خاصة إذا ما كانت الشروط الحالية عند ارتفاع الأسعار تصب في مصلحة الشركات وليست الحكومات. وخير مثال على ذلك فنزويلا، حيث قامت الحكومة بين عامي 2005 و2010 بتأميم أصول الشركات وفرض ضرائب على الأرباح غير المتوقعة. حظيت الحكومة الفنزويلية في حينها بدعم شعبي قوي لتغيير العقود التي ينظر إليها على أنها غير مواتية للدولة. وأخيرا التحول في سياسات الدولة قد يدفع الحكومات إلى السعي للحصول على المزيد من العائدات أو إبعاد الشركات الأجنبية، كما حدث في عديد من دول أمريكا اللاتينية في العقد الماضي.

في المقابل، عادة ما تكون التغييرات في شروط التعاقد واللوائح في صالح الشركات المستثمرة عندما تعاني الدول المنتجة من انخفاض في الإنتاج. في المناطق الناضبة، غالبا ما يكون هناك عدم تطابق بين إمكانات الموارد الحالية والأنظمة المالية التي تم الاتفاق عليها في وقت سابق عندما كانت هذه الموارد أكثر واعدة. في هذا الجانب تواجه الدول المضيفة مزيدا من الضغوط لإيجاد مزيد من الحوافز وبيئة استثمارية ملائمة، بما في ذلك خفض الضرائب على الشركات، وإعطاؤهم سماحات أكبر، خاصة في الحقول المعقدة أو الموارد غير التقليدية، أو تخفيف متطلبات حصص شركات النفط الوطنية. ومن الأمثلة على ذلك قيام المكسيك في العام الماضي بفتح باب الاستثمار أمام الشركات العالمية في المشاريع الاستخراجية، على خلفية انخفاض الإنتاج وعائدات الدولة خلال السنوات الماضية. كما سعت ولاية ألاسكا في عام 2013 إلى زيادة القدرة التنافسية وجذب استثمارات جديدة من خلال تقديم شروط ضريبية مخففة على الإنتاج، بدلا من الشروط التي وضعت قبل ست سنوات. وفي عام 2008، قدمت النرويج خصما ضريبيا قدره 78 في المائة على الخسائر التي تتكبدها الشركات في عمليات الاستكشاف. على الرغم من ارتفاع معدلات الضريبة في النرويج، إلا أن هذه الخطوة ساعدت في جذب شركات أصغر وشجعت الاستكشاف.

السؤال هنا هو: ماذا يحدث عندما تنخفض الأسعار وتزداد الضغوط المالية على الدول المنتجة للنفط؟ بالحقيقة تتباين ردود الأفعال. عندما تكون الدول المنتجة معتمدة بصورة كبيرة على العائدات وإنتاج النفط لا يزال في مرحلة النمو أو في ذروته، يجب ألا تتوقع الشركات العاملة أي تحسن في شروط التعاقد. حيث تشعر الدول المضيفة بالقلق من أن التخفيضات الضريبية سوف تؤدي ببساطة إلى خفض الإيرادات، بدلا من إيجاد زيادة قوية في الإنتاج المستقبلي. في الواقع، في أوقات الأزمات المالية، يمكن أن يكون قطاع النفط والغاز الهدف الرئيسي للحكومات التي تبحث عن حلول قصيرة الأجل لمواجهة التحديات المالية، ما قد يؤدي إلى زيادة الضرائب. فترة انخفاض أسعار النفط في تسعينيات القرن الماضي أدت في نهاية المطاف إلى إصلاحات أكثر مواتية للشركات المستثمرة، حتى بين كبار منتجي النفط – ولكن حدث هذا فقط بعد أن شهدت الحكومات سنوات طويلة من الضائقة المالية.

في المقابل، المناطق الناضجة تكون أكثر عرضة لتحسين شروط التعاقد في حال انخفضت أسعار النفط. من المرجح أن يحصل النمط نفسه في دورة الأسواق الحالية. على سبيل المثال، في المملكة المتحدة، خلف التراجع السريع في إنتاج النفط والانخفاض الحاد في عائدات الضرائب حوافز قوية لإعادة النظر في شروط التعاقد. تايلاند وكولومبيا هي من بين الدول الأخرى التي يمكن أن تقوم بتغيير شروطهم التعاقدية مع الشركات لتحسين قدرتهم التنافسية على استقطاب الشركات.

توفر حالة الاستقرار الاقتصادي للحكومات المضيفة والتوقعات المستقبلية لإنتاجها مؤشرات على مدى إمكانية تحسن الشروط التعاقدية للشركات النفطية في المستقبل. إذا بقيت أسعار النفط منخفضة، سوف تؤدي فترات الضائقة المالية والمعاناة في القطاع النفطي إلى توفير فرص مستقبلية للمستثمرين في المشاريع الاستخراجية – ولكن قد تكون هذه التغييرات بطيئة.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.