.
.
.
.

خصوصية هواتف الجوال .. ومدى فاعلية «هيئة الاتصالات»

محمد بن إبراهيم عيسى العيسى

نشر في: آخر تحديث:

تهتم المجتمعات المتطورة بتنظيم مسألة خصوصية المعلومات الشخصية، وتجعل من مسألة انتهاكها جريمة يعاقب عليها القانون. وقد سبق أن تحدثت عن مبادرة وزارة الداخلية بإصدار مشروع "نظام حماية خصوصية البيانات الشخصية" في مقال مستقل. وتحدثت بإسهاب عن أهداف هذا القانون، حيث يهدف لتنظيم عملية جمع البيانات وطريقة معالجتها وتخزينها واستعمالها وضوابط تمريرها لطرف ثالث.. إلخ.

وفي هذا الصدد، لعلنا نطرح مشكلة استغلال التجار ضعف التنظيمات التي تحمي المجتمع، وقيامهم بإرسال رسائل الجوال الدعائية والمزعجة بشكل مبالغ فيه، نظرا لقلة تكلفتها، وعدم وجود رقابة فعلية عليها. فهناك عديد من الشركات والمراكز التجارية المعروفة تقوم بتسويق منتجاتها وعروض تخفيضاتها، وقد يفاجأ الشخص بعدم معرفته هذه المراكز التجارية أو عدم زيارته إياها سابقاً، فكيف تمكنوا من الوصول إلى هاتفه؟ ونحن بذلك أمام مشكلتين، الأولى وهي الإزعاج، أما الثانية فهي احتمال أن تكون رسائل احتيال أو عروضا وهمية أو تسويقا لبضائع ممنوعة.

الحل الذي اجتهدت به هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات هو إجبار مزودي الخدمة على تخيير المشتركين في مسألة استقبال أو رفض الرسائل الدعائية. لكن هل يعتبر ذلك كافياً أو صحيحاً؟ الحل المطروح أعتبره حل العاجز والكسول عن استخدام وسائل أكثر ابتكاراً وفعالية، فهو أقرب إلى من يشتكي من امتلاء صندوق بريده العادي برسائل ومطويات دعائية، فيتم إجباره على التنازل عن هذا الصندوق أو إغلاقه. وتنفيذا لهذا الحل الناقص، قمت حقيقة بمنع هذه الرسائل الدعائية، وفوجئت بأنه تم منع عديد من الرسائل التي تصدر من الجهات الحكومية أو المصرفية، التي ترسل رمز التفعيل للدخول أو استخدام الخدمة التي يقدمونها. وهذا الحل أيضا منعني من حق استقبال الأخبار والإعلانات التي أرغب فيها من جهات قمت باختيارها.

ما قامت به هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات في هذا الخصوص هو جهد مبتور وناقص، ولم يواكب المطبق في باقي دول العالم. بل أكاد أجزم بأنه تم اختيار هذا الحل لأنه لا يكلف الهيئة أي عناء أو جهد. ولو قام أحدكم بزيارة الموقع- وهو موقع بسيط لا يواكب جهة مثل هيئة الاتصالات- وعند اختيار (خدمات الشكاوى) ثم (الإزعاج) ثم (التضرر من الرسائل الاقتحامية "الدعائية") لوجد أنه أمام مشكلة طلب رقم المزعج لكي يكمل إرسال الشكوى، ورقم المزعج غير موجود لأنها رسائل تأتي من الإنترنت، وليس من خلال أحد مزودي الخدمة، وهي للعلم أقل تكلفة، بل إنك لا تستطيع منعها من هاتفك لأنها لا تحوي رقما، وهذا يعني احتمال أن الهيئة لم تفهم أساس المشكلة، أو أنها لا ترغب في استقبال هذه الشكاوى. لكن الظاهر أمامنا هو المزعج نفسه سواء كانت الجهة التجارية أو شركة التسويق التي قامت بتوزيع هذه الرسائل. وهي جهات يمكن محاسبتها إذا كانت داخل المملكة، حيث ستخضع لقوانين السعودية. لكن هل هناك تشريعات مرتبطة بهذا الخصوص؟ الإجابة مع الأسف هي عدم وجود تشريع يمنع هذا التصرف، وأقرب تشريع هو نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، ولم يتطرق بشكل صريح إلى تجريم الرسائل الاقتحامية (Mobile Phone Spam) أو (SMS Spam).

لكن عدم وجود تشريع يمنع هذه الرسائل لا يعني السكوت عن هذا التصرف، فقد تكون هذه الرسائل مهددة لأمن الوطن، أو مضرة بالعامة من حيث المنتجات التسويقية، أو تكون سلبية على الاقتصاد الوطني نتيجة الاحتيال على المواطنين والمقيمين في هذا البلد وسرقة أموالهم. وبمقارنة تشريعات بعض الدول المتقدمة، نجد أن دول الاتحاد الأوروبي وكذلك الولايات المتحدة وأستراليا قامت بسن تشريعات تمنع مثل هذه الرسائل وتعاقب من قام بإرسالها، فقد صدر حكم في أمريكا على جهة قامت بإرسال هذه الرسائل بدفع مبلغ (175 دولارا) لكل مستلم لهذه الرسالة، ولكم تخيل هذا المبلغ عندما يكون عدد المستلمين بالآلاف. بل إن هذا المبلغ تدرج حتى وصل إلى (500 دولار) لكل مستلم. فالأمر جدا خطير، وإلا لما وصلت المبالغ إلى هذا القدر. وهذا ما يفسر وجود مكان للإجابة بالقبول أو الرفض لاستقبال الرسائل الدعائية من خلال البريد الإلكتروني أو الجوال أو البريد العادي، وذلك عند طلب تعبئة نموذج مرتبط بالشراء أو الاشتراك في هذه الدول، نظرا لوجود تشريعات قوية تعاقب من يقوم باستغلال هذه المعلومات.

وختاما، لا أرغب في التطويل في شرح أهمية هذا الأمر وما قامت به دول أخرى، لكن بإمكان هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات تفعيل دورها، والرفع بمقترح تشريع يمنع هذه الظاهرة التي تأذّى منها كل من لديه هاتف جوال. والمفترض من الجهات التجارية التي تأخذ معلومات المتسوقين أن تحافظ على هذه المعلومات، ولا تسوق منتجاتها وترسل رسائلها، إلا بعد أخذ موافقة العميل الصريحة بذلك، لحماية نفسها عند رفع الشكوى. وعلى هيئة الاتصالات تسهيل وسيلة التقدم بالشكوى بتمكين وضع اسم الجهة التي تقوم بالتسويق ولا يطلب الرقم لأنه غير موجود. وبالإمكان مع تكرار الشكاوى ضد الجهات التي خالفت أن توضع على شكل قائمة منسدلة لكي يختار المتضرر اسمها مباشرة، فإذا كثر المشتكون ثبتت الواقعة، ويرفق مع الشكوى صورة من الرسالة، وهذا أمر سهل بوجود الهواتف الحديثة. فالموضوع برمته سهل إذا اقترن بإرادة حقيقية بالعمل والإصلاح. فلا يعقل أن نمنع أنفسنا من استقبال الرسائل التي نريدها بسبب عجز هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات من القيام بمهامها.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.