.
.
.
.

الديموغرافيا في الكويت تستدعي مقاربة جديدة للتنمية

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

منذ أن طرح توماس روبرت مالتوس نظريته في آخر القرن الثامن عشر في شأن أخطار النمو السكاني، ظلت المسألة مثار جدل بين الاقتصاديين وعلماء الاجتماع والسياسيين، إذ إن المجتمع السكاني يمثل إمكانيات وأعباء في آن. بيد أن التطورات الاقتصادية والمتغيرات التكنولوجية وانعكاساتها على الأوضاع الاجتماعية ومنظومات القيم في المجتمعات الإنسانية، أدت إلى متغيرات في أنماط النمو السكاني في البلدان لكن بوتائر متباينة، وأدى التحول في الحياة الاقتصادية والانتقال من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي في أوروبا والبلدان المتقدمة إلى ضبط إيقاع الحياة العائلية وانخفاض أعداد الولادات وتراجع معدلات النمو السكاني. ومكن تطور الرعاية الصحية والقدرة على مواجهة الأمراض والأوبئة من ارتفاع معدلات الحياة وزيادة أعداد كبار السن في تلك المجتمعات.

لكن المجتمعات في البلدان النامية لا تزال تواجه تحديات النمو السكاني المتسارع في ظل نمو اقتصادي متواضع وإمكانيات اقتصادية محدودة وإدارة تنموية مختلفة. وثمة بلدان خصوصاً في أفريقيا لا تزال تتعرض لأوبئة وأمراض مزمنة وأوضاع بيئية صعبة تعطل الارتقاء بجودة الحياة، ما يؤدي إلى انخفاض معدلات الحياة وارتفاع أعداد الوفيات بين الصغار والكبار. هذه أوضاع تحظى باهتمام المنظمات الأممية المتخصصة والمؤسسات الإنمائية مثل البنك الدولي، ولا بد من معالجات مناسبة تؤتي ثمارها خلال سنوات.

ماذا عن بلدان الخليج، والكويت منها، وكيف نصنفها بموجب مقاييس النمو السكاني وتحديات الديموغرافيا؟ في 1950 كان عدد سكان الكويت بحدود 150 ألف شخص، معظمهم كويتيون استوطنوا البلاد قبل بداية عصر النفط الذي بدأ مع تصدير أول شحنة من النفط في حزيران (يونيو) 1946. آنذاك كانت الحياة بسيطة ومتواضعة، لكن بعد تصدير النفط أخذت الأمور تتحسن، فافتتح أول مستشفى حكومي في البلاد وتزايدت أعداد الأطباء وتحسنت الرعاية الصحية للأطفال، ما أدى إلى انخفاض وفيات الصغار بعد اعتماد أنظمة التلقيح ضد أمراض الأطفال. وتمكنت الكويت من زيادة أعداد المدارس واستقدام مدرسين لمختلف المراحل، وازدادت أعداد الطلاب المبتعثين إلى الخارج لتلقي التعليم الجامعي والعالي.

ومن أهم مظاهر الحياة في الكويت بعد بداية عصر النفط تدفقات الوافدين من البلدان العربية والآسيوية للعمل في المؤسسات الحكومية والخاصة ما أدى إلى رفع نسبتهم في المجتمع السكاني. والآن يقدَّر عدد سكان الكويت بحوالى 4.1 مليون شخص موزعين بين 1275857 كويتياً و2816136 غير كويتي، أي أن الكويتيين يمثلون 32 في المئة من السكان، في حين تصل نسبة غير الكويتيين إلى 68 في المئة. ولم يتغير هذا التوزيع بين الكويتيين وغير الكويتيين منذ أكثر من عقد على رغم محاولات الحكومة ومجلس الأمة في هذا الصدد. وتكمن المشكلة في عدم القدرة على خفض الاعتماد على العمال الوافدين وتطوير مساهمة العمال المحليين في سوق العمل، خصوصاً في منشآت القطاع الخاص.

وفي آخر تقرير لهيئة المعلومات المدنية تبين أن عدد السكان ارتفع نهاية 2014 بنسبة 3.2 في المئة عن مستواه في نهاية 2013. وكان معدل النمو السنوي للكويتيين 2.7 في المئة في حين كان معدل النمو لغير الكويتيين 3.4 في المئة. وهكذا يتضح أن أعداد غير الكويتيين تتزايد بوتيرة أسرع من الكويتيين. ولا يعني ذلك أن معدل نمو الكويتيين منخفض بل هو مرتفع وفق مقاييس ومعدلات النمو العالمية. وأوضح التقرير أن عدد العاملين في الكويت، في مختلف القطاعات الاقتصادية وفي الحكومة والقطاع الخاص، بلغ نهاية العام الماضي حوالى 2.5 مليون شخص أو 61 في المئة من إجمالي السكان في البلاد. لكنّ العاملين الكويتيين في سوق العمل يمثلون 33.1 في المئة من إجمالي عدد السكان الكويتيين. لكنّ هؤلاء العاملين الكويتيين لا يمثلون سوى 17.2 في المئة من إجمالي قوة العمل في الكويت. ويبلغ عدد العاملين الكويتيين 422 ألفاً يعمل 320 ألفاً منهم لدى مؤسسات القطاع العام أي بنسبة 76 في المئة من إجمالي العمال الكويتيين.

وخلال 2014 جرى توظيف 11 ألف كويتي في الحكومة والقطاع العام، في حين لم يجر توظيف سوى 1873 لدى القطاع الخاص. هذه البيانات يجب أن تثير القلق لدى المسؤولين عن التنمية البشرية في البلاد إذ يتضح العجز عن تفعيل دور القطاع الخاص في توظيف العمال المحليين ويستمر الاعتماد على العمال الوافدين في مؤسسات القطاع الخاص. ومن الأسباب هيمنة الدولة على النشاطات الرئيسة في الاقتصاد وعدم تمكن النظام التعليمي من تأمين عمال بمهارات مهنية تتناسب مع أعمال مؤسسات القطاع الخاص.

ومن التحديات المهمة التي تواجه الكويت ديموغرافياً أن المجتمع السكاني الكويتي مجتمع شاب، إذ يمثل الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة 82 في المئة، في حين تذكر مصادر حكومية أن من تقل أعمارهم عن 35 سنة يمثلون 72 في المئة من الكويتيين. لكن هل يمكن الاستمرار بسياسات تأمين التعليم المجاني والرعاية الصحية وأنظمة الدعم السلعي والرعاية الإسكانية؟ هذه السياسات تعني زيادة في الإنفاق العام، الجاري والرأسمالي، من دون توفير موارد مالية للخزينة العامة تعضد إيرادات النفط التي تمثل 90 في المئة من الإيرادات. وعلى ضوء التجارب الإنسانية على مدار القرنين الماضيين لا يمكن ترشيد النمو السكاني من دون إعادة النظر في معايير الأعباء الاجتماعية وضبط إيقاع الإنفاق العام وتحميل المواطنين المسؤولية الرشيدة في عملية التنمية الاقتصادية.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.