.
.
.
.

هل تُـخرِج أميركا الاقتصاد العالمي من أزمته؟

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

قرر «بنك إنكلترا» (المركزي البريطاني) أخيراً إبقاء سعر الحسم من دون تغيير عند نصف في المئة. كذلك قرر الاستمرار في برنامج شراء الأصول البالغ 375 بليون جنيه إسترليني. ويعني ذلك ان قراءة «بنك إنكلترا» للأوضاع الاقتصادية في بريطانيا وغيرها من بلدان أساسية غير وردية فالقرارات تؤكد أهمية استمرار الحفز النقدي وعدم الالتفات إلى أي مخاوف من التضخم المحتمل، إذ لا مظاهر لذلك التضخم. وثمة قناعة لدى القادة السياسيين ورجال الأعمال والمسؤولين عن السياسات النقدية في العديد من بلدان العالم بأن الاقتصاد العالمي يتحرك ببطء للخروج من الركود. ولا شك في ان اقتصاد الولايات المتحدة يبدو أكثر نشاطاً من بقية اقتصادات البلدان الصناعية، التي تشمل بلدان منطقة اليورو والصين واليابان والهند. لكن هناك تساؤلات حول مدى تأثير التحسن في أداء الولايات المتحدة في شركائها التجاريين في أوروبا والشرق الأقصى. فهل يمكن للإقتصاد الأميركي ان يستمر في زخمه ويعمل كرافعة لبقية الاقتصادات في البلدان الصناعية الأخرى؟

ربما تمكن الأوروبيون على مدى السنوات الماضية من ترتيب أوضاعهم المالية وعملت الحكومات لترشيد الإنفاق والسيطرة على عجز الموازنات. وأشارت بيانات رسمية إلى ان العجز في الموازنات الحكومية في البلدان الأوروبية ربما ينخفض هذا العام إلى مستوى يعادل أقل من ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لأي من هذه البلدان. وتشير البيانات إلى تحسن ملحوظ في موازنات إسبانيا وإرلندا وبلدان أخرى. وذلك لا بد من ان يعني ان عمليات الإصلاح المالي أخذت تعطي ثمارها المنشودة. وبدأت مراجعة أوضاع المصارف الرئيسة في بلدان منطقة اليورو تعزز الثقة في الأنظمة المصرفية في هذه البلدان.

بيد ان ما هو مهم يتركز حول قدرة البلدان الأوروبية على تعزيز نشاطات القطاعات الحيوية، أي الخدمات والصناعات التحويلية، وتمكن هذه القطاعات من تفعيل قدراتها على إيجاد الوظائف وخفض معدلات البطالة عن المستويات المرتفعة التي بلغتها في عدد من البلدان، مثل إسبانيا حيث فاقت 25 في المئة. وذلك يتطلب نشاطاً حيوياً ومعدلات نمو جيدة، ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي والمصارف المركزية الرئيسة سيكون معدل النمو الاقتصادي في بلدان الاتحاد الأوروبي بحدود 1.5 في المئة خلال عام 2015، ويعد هذا المعدل الأفضل منذ العام 2011 عندما بلغ 1.6 في المئة.

ويأمل صانعو السياسات النقدية في البنك المركزي الأوروبي بأن يؤدي برنامج شراء الأصول، أو التيسير الكمي، إلى تأمين السيولة اللازمة لإنعاش أعمال مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية. وربما تساهم هذه التطورات والسياسات النقدية في خفض معدل البطالة وإيجاد فرص عمل مناسبة. ويقدر معدل البطالة في الاتحاد الأوروبي بـ 9.7 في المئة، وهو يتفاوت بدرجات مهمة بين بلدان الاتحاد، فيبلغ، مثلاً، 10.6 في فرنسا في حين لا يتجاوز 4.8 في المئة في ألمانيا.

ماذا عن الاقتصاد الأميركي الذي يعوَّل عليه لمساعدة الاقتصادات الأخرى على النهوض؟ هناك توقعات بأن ينمو الاقتصاد الأميركي بمعدل يساوي 3.3 في المئة هذا العام، وهو معدل أفضل مما تحقق عام 2014 حين لم يزد الرقم عن 2.3 في المئة. لكن هل تجاوزت الولايات المتحدة تبعات الأزمة المالية لعام 2008 والتي بدأت فيها، وتمثلت في البداية بأزمة الرهن العقاري؟ هناك تساؤلات حول هذا الشأن ويذكر اقتصاديون ان العديد من أصحاب المساكن الذين تضرروا من تلك الأزمة لا يزالون غير قادرين على بيع مساكنهم وتسديد التزاماتهم تجاه الرهون التي بموجبها جرى منحهم القروض لاقتناء تلك المساكن.

ولا بد ان تترك هذه المسألة ظلالها على سوق السكن الذي يعد من أهم القطاعات التي تحظى باهتمام القطاع المصرفي هناك. وهناك العديد من المساكن التي جرى تشييدها خلال فترة الرواج قبل أزمة 2008 ولم تجد مشترين. ويفترض تسويق 1.2 إلى 1.4 مليون مسكن جديد سنوياً، لكن حتى الآن لا يبدو ان هناك إمكانية لتجاوز مليون مسكن، ما يعني استمرار توافر عرض كبير لا يحظى بالطلب المناسب.

ولا يزال الاستهلاك الشخصي والعائلي معتدلاً، ولا يبدو ان كثيراً من الأسر الأميركية ترغب في زيادة الديون من أجل اقتناء السلع الاستهلاكية المعمرة، فيما لا تدل البيانات على تراجع في الاستهلاك الأساسي. ومن أهم مؤشرات التحسن في الاقتصاد الأميركي تحسن الإنتاج الصناعي بنسبة خمسة في المئة خلال الشهور الـ 12 الماضية. وبقي معدل البطالة في الولايات المتحدة يتراجع بفعل الوظائف الجديدة وهو يراوح الآن حول مستوى 5.4 في المئة. وفي الشهور الأخيرة كان عدد الوظائف الجديدة يدور حول 190000 وظيفة شهرياً.

لا بد من الأخذ في الاعتبار التطورات المحتملة في الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية وعدد آخر من البلدان الناشئة كي يمكن تحديد مؤشرات الاقتصاد العالمي. ويقدر اقتصاديون في البنك الدولي ان يبلغ معدل النمو الاقتصادي نحو 3.5 في المئة على المستوى العالمي. ولا بد ان هذا المعدل يبدو منطقياً مع المؤشرات الأخرى بما يعزز إمكانات التعافي النسبي خلال هذا العام. بيد ان إمكانات تحسين معدلات النمو في الصين والهند إلى مستويات مرتفعة تبدو محتملة. وربما لا يعني ذلك وضعاً سلبياً فمعدل النمو المعتدل في البلدان الآسيوية سيؤدي إلى التحكم في التضخم ودفع تلك البلدان إلى اعتماد سياسات اقتصادية تعمل لتحسين الأوضاع الداخلية بدلاً من الاعتماد على سوق الصادرات.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.