العلاقة بين الوحدة السياسية والعملة الموحدة
عندما تبنى الاتحاد الأوروبي اليورو كعملة موحدة في كانون الثاني (يناير) 1999، رأى المراقبون المعنيون في الاتحاد وخارجه أنَّ الاتفاق على تبني عملة موحدة جاء سابقاً لأوانه، على رغم الدور الذي تلعبه العملة الموحدة في تسهيل التجارة والاستثمارات بين الدول الأعضاء. وأعطى بعضهم خطوة الاتحاد طابعاً سياسياً أكثر منه اقتصادياً انتقاماً من رفض المملكة المتحدة الدخول في العملة الموحدة. ولم يخفِ كبار موظفي الاتحاد الأوروبي آنذاك، خصوصاً الذين يحتلون مراكز قيادية، قلقهم من نتائج الوحدة النقدية المتسرعة. وكانوا يتوقعون حدوث أزمات في المستقبل بسببها، ولكنهم كانوا يأملون بألا تأتي هذه الأزمات بسرعة وألا تكون عنيفة، وأن يتمكنوا من حلها في الوقت المناسب ومن دون خسائر كبيرة.
وكانت هناك ثلاثة أسباب رئيسية لتخوفهم هي أولاً، أن الوحدة النقدية عادة تعقب الوحدة السياسية ولا تسبقها. وثانياً، أن الكثير من الدول الأوروبية الضعيفة اقتصادياً، خصوصاً دول الجنوب، غير مستعدة بعد للوحدة النقدية التي تجردها من قدرتها على تبني سياسات نقدية ومالية تمكنها من رفع مستويات النمو الاقتصادي لردم الفجوة بينها وبين الدول الأكثر تقدماً في الاتحاد. وثالثاً، أنها وحدة ناقصة حيث يوجد بنك مركزي موحد ولا توجد وزارة مالية موحدة.
وعندما تفجرت أزمة الديون السيادية في اليونان عام 2010 في أعقاب انهيار أكبر بنك في الولايات المتحدة (ليمان بروذرز)، وتصريح المستشارة أنغيلا مركل بأن كل دولة عضو في الاتحاد مسؤولة عن مؤسساتها المالية، فضَّل بعضهم أن يحمل المسؤولية للأزمة المالية العالمية التي بدأت عام 2008. بينما اعتبر بعض آخر أن المسؤولية تتحملها الحكومة اليونانية كاملة لأنها أسرفت في الإنفاق في وقت لم يكن لديها موارد كافية واستساغت الاستدانة من خلال بيع سندات سيادية للمصارف بأسعار فائدة مرتفعة.
ولكن الرئيس «لي كوان يو» مؤسس دولة سنغافورة اشار في تصريحات الى أن استخدام اليورو في 17 دولة أوروبية من اصل 28 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي ليس أمراً سهلاً. فكل دولة من الدول الأعضاء السبعة عشر لها سياستها المالية الخاصة بها من ناحية تحصيل الإيرادات وتوزيع النفقات. ولأن الدول الضعيفة اقتصادياً، أو ما زالت في مرحلة التنمية، تزيد نفقاتها عموماًً على إيراداتها بسبب الحاجة إلى أنواع متعددة من الإنفاق الحكومي من جهة، وضعف القدرة على تجميع الإيرادات بسبب عدم تطور السياسة المالية، بخاصة الأنظمة الضريبية المعمول بها من جهة أخرى. لذلك تضطر حكومات هذه الدول إلى الاقتراض من السوق الداخلية والخارجية لتلبية الحاجة المتزايدة لرفع حجم الإنفاق الحكومي.
ولعدم وجود وزارة مالية موحدة تصرفت كل دولة عضو بالوحدة النقدية باستقلالية كبيرة في سياستها المالية وراكم بعضها أحجاماً كبيرة من الديون الداخلية والخارجية، لم يعترض عليها البنك المركزي الأوروبي، على رغم مخالفتها نصوص اتفاقيتي لشبونة وماسترخت، بل على العكس كان يعيد خصمها بسهولة، ما تسبب في تساهل المصارف في إقراض حكومات هذه الدول طمعاً بأسعار الفائدة العالية عليها، وبالتالي في تجميع المصارف ديوناً سيادية عالية تفجّرت آثارها عند أول شرارة أطلقها انهيار مصرف «ليمان برذرز». وعلى رغم أن «لي كوان يو» ليس اقتصادياً بالمهنة ولا يحلل الأمور كما يحللها الاقتصادي المهني، أدرك بحنكته وخبرته السياسية أن من الصعب تحقيق التوافق بين السياسة المالية المستقلة لكل دولة من دول منطقة اليورو وبين السياسة النقدية الموحدة التي تطبقها هذه الدول ذاتها.
وتساءل «لي» عن سبب نجاح الولايات المتحدة في جعل خمسين ولاية أميركية لكل منها حاكم، ومجالس تشريعية مستقلة وبنك مركزي، في استخدام عملة واحدة هي الدولار. واستنتج أن الوحدة السياسية بين الولايات الأميركية هي التي جعلت هذا الأمر هيناً. فهناك وزارة خزانة واحدة وبنك مركزي موحد وسياسة خارجية واحدة، ورئيس دولة واحد ودستور فيديرالي ينص على تعذر مخالفة أية ولاية القوانين الفيديرالية. وبذلك توصل «لي» بطريقة غير مباشرة الى أن الوحدة السياسية ضرورية لنجاح تبني عملة موحدة وأنَّ الأخيرة يجب أن تأتي بعد الوحدة السياسية لا قبلها.
*نقلاً عن صحيفة "الحياة".