.
.
.
.

مأزق الاقتصاد العراقي وجدوى إصلاحات العبادي

ذكاء مخلص الخالدي

نشر في: آخر تحديث:

لم تسفر الحرب على العراق واحتلاله في 2003، بدعوى إحلال الديموقراطية والقضاء على أسلحة الدمار الشامل، عن أي نتائج إيجابية محسوسة حتى بعد مرور اثني عشر عاماً. ولا يعود ذلك فقط إلى عدم حسن نيات المشروع الأميركي في العراق، وإنما إلى أن كثراً من العراقيين الذين جاؤوا مع الاحتلال وساندوه من سياسيين ومثقفين وأصحاب نفوذ مالي سابق لم يكن لديهم مشروع وطني لبناء وضع سياسي واقتصادي جديد، وإنما كان همهم كيفية اقتسام الغنائم والمناصب التي تعوضهم وفق رأيهم عن حرمانهم من ذلك خلال فترة وجودهم في الخارج.

وعندما بادرت سلطة الاحتلال إلى وضع دستور لتكوين نظام سياسي جديد، أدخلت مبدأ المحاصصة بين الطوائف والقوميات مقابل إلغاء الهوية العراقية. وسُمح بتأسيس أحزاب هي في واقع الحال اقطاعات سياسية تلبس غالبيتها ثوباً دينياً القصد منه إضفاء صفة من القدسية عليها حتى لا يجري التعرض لممارستها. ولم تبد هذه الأحزاب التي تمثلت بالحكومات المتعاقبة أي مهنية أو دراية بالإدارة السياسية والاقتصادية. بل إن أكثر المشاكل التي يعاني منها العراق نتجت من أسلوب الإدارة السياسية القائم على نظام المحاصصة والطائفية.

والأنظمة السياسية الفاسدة لا يمكنها تطبيق سياسات اقتصادية ناجحة، وإنما توجه الاقتصاد لمصالحها الخاصة. وهذا ما حصل، فبعد إهمال متعمد للقطاعات الاقتصادية المنتجة كالزراعة والصناعة التحويلية، والبنى التحتية، ركزت الحكومات المتعاقبة جهودها على الاستثمار في القطاع النفطي لاستخراج مزيد من الموارد السهلة والسريعة لرفد الموازنة السنوية. واستُحدِث كثير من الوظائف العالية وجرى تبني سلم للرواتب والمخصصات حوّل هذه الوظائف إلى مجرد امتيازات. وبحجة الوضع الأمني المتدهور الذي نتج من أسباب منها تشجيع الطائفية وتهميش بعض فئات المجتمع العراقي، جرت الاستعانة بجيش من الحمايات لكل صاحب منصب كبير وشخصية سياسية يصل عددها في بعض الحالات إلى 900 نفر للشخص الواحد تستلم رواتب ومخصصات أثقلت الموازنات المتعاقبة.

وازداد التوظيف في دوائر الدولة على أسس طائفية الأمر، ما أدى إلى ترهل القطاع العام وارتفاع عدد الموظفين إلى أكثر من أربعة ملايين من دون وجود حاجة فعلية إلى هذا العدد الذي يزيد عنه في الدول التي يكون عدد سكانها أكثر من سكان العراق.

ووفق تحقيقات برلمانية أهدرت الحكومات المتعاقبة نحو تريليون دولار خلال السنوات العشر 2004 - 2014 منها 800 بليون من موارد النفط و200 بليون منح ومساعدات. وبدأت الموازنة العراقية في 2005، أي بعد تأسيس الحكومة المنتخبة الأولى، بـ30 بليون دولار لترتفع بعد ذلك في شكل متواتر بارتفاع موارد النفط وتقفز إلى 150 بليوناً في 2014، أي خمسة أضعاف ما بدأت به خلال تسع سنوات من دون أن يظهر لها أي أثر في البنية التحتية أو الإعمار أو تقليص عدد الفقراء.

وتكونت معظم فقرات الموازنة من رواتب وأجور ومخصصات تقاعدية بموجب نظام تقاعدي يضمن لكبار موظفي الدولة رواتب تقاعدية عالية. وتسبب غياب المساءلة والرقابة في عمليات هدر ممنهجة للمال العام من خلال التلكؤ في تنفيذ المشاريع الاستثمارية المشمولة بالموازنة نتيجة اقتسام المبالغ المخصصة بين المسؤولين والشركات المتعهدة.

وإلى جانب قطاع النفط، اهتمت الإدارات المتعاقبة بقطاعين آخرين هما قطاع المصارف الخاصة وقطاع التجارة الخارجية، إذ جرى تأسيس 40 مصرفاً تجارياً وإسلامياً لا أحد يعرف كثيراً عن ممارساتها، ويرتبط بعضها بشخصيات سياسية متنفذة كرؤساء كتل أو أحزاب. وبفتح السوق العراقية على مصراعيها للاستيراد غير المنظم وغير الخاضع للمواصفات ودخول القوى السياسية فيه، أصبحت نشاطات الاستيراد وسيلة لتهريب الأموال إلى الخارج عبر المصارف الخاصة. وذكر أحد أعضاء مجلس النواب أنه، في زيارة قام بها إلى الهيئة العامة للجمارك، ذهل من حجم حالات الفساد والتزوير التي تحصل خلال عمليات تحويل الأموال من المصارف الخاصة تحت عنوان شراء بضائع.

ولم يكن مأزق الاقتصاد العراقي خافياً على أحد، لكن الحكومات المتعاقبة كانت تتستر عليه بعائدات النفط الكبيرة وسعيها الدائم إلى زيادتها. لكن الانخفاض الحاد في أسعار النفط ابتداءً من منتصف 2014، وسقوط الموصل والأنبار، واستيلاء تنظيم «داعش» على ثلث مساحة العراق تقريباً، وارتفاع حجم الإنفاق العسكري مقابل عجز الموازنة عن تلبية الزيادة في النفقات، كشفت للعيان كارثية المأزق العراقي، خصوصاً بعدما كسرت التظاهرات الشعبية حاجز الخوف وبدأت تندد صراحة بالفساد وتطالب الدولة بتوفير الخدمات.

وخرج رئيس الوزراء حيدر العبادي بحزمة من الإجراءات تهدف إلى إصلاح الوضع السياسي والاقتصادي المهترئ منها إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وقلص عدد حماياتهم للتخفيف من الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها الحكومة. ووفق مصادر برلمانية تضطر الحكومة حالياً للاستدانة شهرياً في شكل غير معلن لدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين. وعلى رغم التأييد الذي كسبته إجراءات العبادي على مختلف المستويات ومصادقة مجلس النواب السريعة عليها، لا يعوّل المراقبون الشأن العراقي في الداخل والخارج كثيراً عليها بسبب حجم الفساد المستشري واستمرار العمل بدستور قائم على الطائفية والمحاصصة ونظام قضائي مسيس سهّل على الحكومات السابقة كثيراً من الممارسات غير الشرعية.

لذلك، لا بد من إصلاحات جذرية تشمل تأليف حكومة تكنوقراط تقوم بكتابة دستور جديد يتماشى وبناء دولة مدنية حديثة ويمهّد لقيام أحزاب علمانية وانتخابات برلمانية جديدة. أما الإصلاحات الاقتصادية التي تقع في أولوية احتياجات الدولة في الوقت الحاضر فمن المفترض تبنيها في إطار إدارة اقتصاد حرب وليس اقتصاد سلم كما هو قائم حالياً.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.