.
.
.
.

قيادة الخدمات العامة ونقطة التحول

طلال الجديبي

نشر في: آخر تحديث:

تناقَش اليوم عشرات القضايا والظواهر التي يتناولها الكثيرون بالنقد أو المديح، وسواء كانت المشكلة في تسعير سلعة كالأراضي أو التعامل مع ظواهر طبيعية كالأمطار فإن الحديث يتسع بين الموضوعية المثالية وبين نقيضها من الآراء والأحكام التي تطلق بعشوائية بلا بينة أو برهان. لا يختلف اثنان على دور القادة في قيادة برامجهم ومنظماتهم إلى بر الأمان، لذلك نجدهم يحوزون قدرا معتبرا من الاهتمام والتحليل وربما نراهم أنفسهم يسعون خلف ذلك الاهتمام بكل ما يملكون، ولكن في كل الأحوال تظل النتائج المرئية على أرض الواقع هي أفضل البراهين وأوضحها للعيان.

عندما تسلَّم ويليام براتون شرطة مدينة نيويورك في عام 1994 كانت المهمة شبه مستحيلة. زادت الإمكانات البشرية التي تتجاوز 30 ألفا من رجال الأمن من تعقيد المهمة فتحسين معنويات الموظفين المتدهورة والفكاك من الترهل الفكري والثقافي للمنظمة الضخمة التي تقدم خدماتها للجميع لم يكن أمرا سهلا يضمن له السيطرة على أداء الشرطة وخفض المعدل المخيف للفوضى والجريمة. ولكن خلال سنتين فقط قاد براتون جهازه الأمني لتحقيق نجاحات مبهرة جاعلا نيويورك من أكثر المدن الكبرى أمنا في الولايات المتحدة.

قدم ويليام براتون حالة مثالية تستحق أن تدرس في القيادة والتغيير؛ تحدثت عنها مطبوعات هارفارد كتطبيق صريح لنظرية نقاط التحول The Theory of Tipping Points وما يميزها في نظري أنها أتت من بيئة مقدمي الخدمات العامة وليس من بيئة الشركات كما جرت العادة في مثل هذه الدراسات. تقوم تجربة براتون مع قطاع الشرطة في مدينة نيويورك على مجموعة من المحاور تبدأ من إدراك المشكلة ومواجهتها من قبل مسؤولي المنظمة ثم تنتقل إلى إدارة الموارد والتحفيز والإدارة السياسية داخل المنظمة.

عندما نتحدث عن أي مشكلة محلية تهم المواطنين تتركز جهودنا على الأشخاص الذين يتمركزون في قمة الهرم، وهذا طبيعي فالقادة هم مفاتيح التغيير ومربط الطموحات. نرى هذا أيضا في متابعة الإعلام لعديد من المسؤولين وأيضا المتابعة غير الرسمية - والدقيقة جدا أحيانا - في وسائل التواصل الاجتماعية. ولكن، هل تشكل القدرات القيادية لهؤلاء الأشخاص سبب نجاحهم أو فشلهم في هذه المواقع المهمة؟ أم أن مصائرهم تقوم على أسباب خارجة عن نطاق قدراتهم ولا يلامون – في معظم الحالات - على النتائج؟!

يثبت براتون وكل القادة المؤثرين في مختلف أنواع المنظمات أن تأثيرهم استثنائي في سلوك المنظمة ونتائجها. متى ما حاز القائد ما يكفي من مساحات التأثير في السلطة والحماية انتقل مباشرة إلى الموضع الذي يراقب به ويحاسب. هناك، ستؤول طريقة تعامله مع أسعار الأراضي أو تصريف المياه أو تقديم الخدمات الطبية إلى مسألة وقت تنتهي بالنجاح والرضا أو الفشل والاستياء.

خلفت لنا دراسات فنون الإدارة والقيادة كما هائلا من الملاحظات والنظريات، ولن نجد نقصا في إيجاد المخارج الملائمة لمعظم النماذج الافتراضية في المشهد المحلي. المشكلة أن تفسيراتنا للحالات المحلية ليست إلا افتراضات قد تكون مقاربة للحقيقة ولكن لا يمكن القول بأنها تتحدث عن توصيف دقيق للواقع، لأن معظم التفاصيل التي نشاهدها لا تمثل إلا طبقة من الجانب الخارجي للقضية إضافة إلى جزء بسيط من التفاصيل الداخلية. فالحالات لا توثَق والشفافية لا تزال في مستوى غير مرض خصوصا في مسائل الخدمات العامة.

يعبِّر الكثيرون عن تبدل نظرتهم للمسؤول الذي اقترب من آمالهم للحظة ولكنه تغير بعد المنصب، وهذا يعود بنا إلى إدارة التطلعات من قبل المسؤول نفسه. إدارة التطلعات إحدى أهم المهارات التقليدية للقائد، إضافة إلى فهم حاجات عملائه ودور العلاقات والتواصل. عندما نتحدث عن المهارات التقليدية للقيادة والإدارة فنحن نتحدث عن عدد غير قليل من المهارات والممارسات التي يكفي غياب أي منها لصنع الفشل. تعد هذه المهارات من المتطلبات الأساسية لمواجهة التحديات الأكثر تعقيدا مثل تلك التي تعامل معها براتون في نيويورك.

سيطر براتون على المقاومين داخل منظمته وتخلص منهم بطريقة ملائمة وقام في الوقت نفسه بدعم نقاط القوة التي لم تكن ظاهرة في السابق. كان تعامله السياسي مع التحديات الداخلية للمنظمة وحرصه على تحفيز موظفيه وتجديد آمالهم وثقتهم بأنفسهم طريقته لإدارة موارده. لم يقع في معضلة القادة الذين يغرقون في بحر الموارد ويحصلون بعد ذلك على نتائج تخيب آمالهم وآمال من يتابعهم.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.