البرازيل ومقايضة الألم قصير الأجل بربح طويل الأجل

محمد العريان
محمد العريان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

الاعتقالات الأخيرة لشخصيات بارزة في البرازيل - بما في ذلك إندريه إستيفيس، الذي استقال من منصبه الأحد من منصبي رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة BTG Pactual، أكبر بنك استثماري في أمريكا اللاتينية - تسلط الضوء على تعمق فضيحة الفساد التي تجتاح ذلك البلد. التداعيات السياسية الكبيرة تجتذب الكثير من الاهتمام. والآثار الاقتصادية تستدعي اهتمام الجميع بالقدر نفسه.

تشهد البرازيل ركودا تضخميا قبيحا يعمل على تفاقم التوترات المالية والسياسية والاجتماعية. انكمش الاقتصاد بنسبة 1.7 في المائة في الربع الثالث، وفقا للبيانات الصادرة الأسبوع الماضي. هذا الربع الثالث على التوالي من الانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي يشكل أكبر ضرر سنوي للاقتصاد منذ ما يقرب من 20 عاما. وفي الوقت نفسه، ارتفع مؤشر الأسعار الاستهلاكية 9.9 في المائة في أكتوبر مقارنة مع العام السابق، وهو أعلى مستوى للتضخم في 12 عاما.

بالإضافة إلى تفاقم محنة الشرائح الضعيفة من السكان وتفاقم البطالة، التي هي أصلا عند أعلى مستوى لها منذ عام 2009، من المؤكد أن الركود سوف يقلص من عائدات الضرائب ويوسع عجز الميزانية التي تكافح الحكومة للسيطرة عليها. هذه المشاكل، جنبا إلى جنب مع السياسة النقدية التي يجب أن تتعامل مع ارتفاع معدلات التضخم، تحد من المرونة في سياسات الاقتصاد الكلي للتعامل مع الأزمة المتفاقمة. وفي الوقت نفسه، يعاني قطاع الشركات من أزمة الائتمان المحلي التي تزداد سوءا، بعد أن فقد من قبل الكثير من قدرته على الوصول إلى تمويل السندات الأجنبية.

الاستجابة في مجال السياسة الاقتصادية، وبخاصة العنصر الحاسم في الإصلاحات الهيكلية، يتم تقويضه أكثر من قبل بسبب الانقسامات السياسية العميقة، بما في ذلك الانقسامات الموجودة حول فترة ولاية الرئيسة ديلما روسيف. الاستقطاب المكثف والشلل السياسي يغذيان السخط الشعبي، مما يزيد من إمكانية حدوث توترات اجتماعية مدمرة.

هذا هو السياق العام للاعتقالات الأخيرة التي تراوحت من المناصب العليا في القطاع الخاص الى أعلى مستويات السياسة وبينهم زعيم الحكومة في مجلس الشيوخ.

على الجانب الإيجابي، توضح هذه الظاهرة رغبة المجتمع البرازيلي في التوصل إلى الحجم الحقيقي للفساد والمطالبة بالمساءلة من المسؤولين. في الوقت المناسب، وبشرط أن يتم تنفيذ الأمور بشكل جيد، تنظيف البيت الداخلي هذا سيساعد في معالجة واحدة من العاهات الرئيسية في عمل مؤسسات القطاع العام والخاص في البرازيل، مما يتسبب في إهدار موارد هائلة، والذي يضيف إلى التفاوت المفرط أصلا في المستويات الاجتماعية، ويحجم إمكانات كبيرة في البلاد للنمو والازدهار.

لكن على المدى القصير سوف يعمل الجَيَشان بمثابة مزيد من الريح التي تدفع النمو. والبيئة السياسية سوف تصبح حتى أكثر عداوة أمام جهود التكيف والإصلاح الشاملة من النوع الذي يحتاجه البرازيل. والبنك المركزي في البرازيل، المثقل بالفعل بقائمة طويلة من مخاوف السياسة النقدية، يتوجب عليه الآن اتخاذ خطوات للحد من الأضرار الجانبية المترتبة على النظام المالي الأوسع والتي يمكن أن تتمثل في احتمال تدافع العملاء لسحب أرصدتهم من BTG Pactual بعد اعتقال إستيفيس.

غالبا ما توصف البرازيل بأنها اقتصاد الغد (أي أنه كان دائما وسيظل دائما). تطورات الأسابيع الأخيرة فقط تضيف إلى الشعور بالفرص الضائعة والإمكانيات المهدورة.

عن طريق زيادة إضعاف الوضع الهش أصلا، فإن اتساع فضيحة الفساد يسبب الألم الاقتصادي والمالي الأكبر على المدى القصير. لكن هذا الجَيَشان، من خلال المساعدة في تعميق المزيد من الشفافية وإمكانية المساءلة بخصوص سرطان الفساد الذي ينهش في الاقتصاد البرازيلي وفي السياسة والمجتمع في ذلك البلد، فإنه يمكن أن يضمن ولادة غد أفضل.

*نقلا عن صحيفة "اليوم" السعوية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.