.
.
.
.

التخصيص .. هل نحن مستعدون؟

فواز حمد الفواز

نشر في: آخر تحديث:

ذكرت بعض وسائل الإعلام أن هناك توجها للتخصيص حتى لبعض نشاطات أرامكو ولذلك لا بد من وقفة مع المفهوم والممارسة. لأسباب تراكمية ومعقدة أصبحت أهم صفة ملازمة للاقتصاد السعودي ضعف الإنتاجية والتآكل في حوكمة الشركات وضعف بعض المؤسسات الحكومية، خاصة الرقابية. الإنتاجية سرعة حركة ماكينة الاقتصاد في المدى البعيد وبالتالي الأحرى أن يقاس التخصيص وغيره من السياسات والآليات بدرجة دورهم في معدل السرعة، حيث إن التخصيص ليس هدفا في حد ذاته. هدف التخصيص هو زيادة الفعالية والإنتاجية وتحسين إدارة الموارد.

في الأدبيات الاقتصادية أصبح مقبولا أن هناك علاقة إيجابية بين الكفاءة والفعالية في الإدارة الاقتصادية ودور القطاع الخاص. الانطلاق من هذا المفهوم العام إلى سياسة تخصيص طويل وشاق، وليس مستقيما لأسباب فكرية وعملية. فكريا تختلف التجربة من بلد إلى آخر في المرحلة والدرجة وأغراض التخصيص وعمليا هناك ممارسات في نهج القطاع الخاص، خاصة مدى المنافسة ودور الحكومة في الدعم الذي أثر جوهريا في تصرفات الفعاليات الاقتصادية من شركات وجهات حكومية وأفراد. وضعف الفعاليات الحكومية وانغماس الناس في حالة التكيف حالة لا تتناسب مع بيئة التخصيص. الطريق لتفعيل الإنتاجية يمر عن طريق تصرفات الفعاليات الاقتصادية من شركات إلى أفراد. فالتخصيص بالمفهوم العام والدارج لن يؤدي ثماره وقد يكون سلبيا دون تغيير في البيئة. للأسف هناك أمثلة على هذا الخلط الفكري والعملي في نهجنا الاقتصادي، فمثلا نعمل لتوطين الوظائف وكانت سياسة التوطين بديلا عن سياسة عمالية شاملة والنتيجة أن كلتا الاثنتين تلاقيان صعوبات أصبحت معروفة، ونسعى لإصلاح وزارة الصحة دون سياسة عامة لمعالجة القطاع الصحي، ولذلك لا يستطيع وزراء الصحة التعامل مع استحقاق أكبر وأشمل وأكثر عمقا. نتحدث عن مواقف السيارات ولكن لا نتحدث عن إدارة مرفق الأراضي من خلال رسم بلدي.

نحن لا نفرق بين التوسع والنمو والاستحقاقات العملية للتعامل معهما من ناحية واستحقاقات دولة الرفاه من ناحية أخرى. التوسع لخدمة النمو شيء والنمو العضوي شيء آخر مختلف ودولة الرفاه لمجتمع ضعيف الإنتاجية شيء آخر. في بيئة بهذه الدرجة من التعقيد لا يمكن للتخصيص، إلا أن يصبح مسارا محفوفا بالمخاطر. المبالغة في دولة الرفاه، التي تزداد تفاقما تشكل قوة مضادة لقوى الفعالية والإنتاجية، ولذلك لن تكفي سياسة تخصيص على الأقل، كما تمارس في الغالب للتعامل مع التعقيدات التي تحت السطح. هناك معايير تخص الاقتصاد الوطني وحده مثل غياب قياس الإنتاجية ومعرفة أين نحن في السلم، مقارنة بأنفسنا وبالآخرين، وهناك حجم التحويلات المالية للخارج، وهناك حجم الدعم قياسا على الدخل القومي والميزانية، وهناك تزايد تكلفة إدارة الحكومة قياسا على دخل النفط، وأخيرا مدى التقصير في تنويع مصادر الدخل. التخصيص الفاعل آلية مهمة جداً حتى ضرورية، ولكنه دون رؤية متكاملة لتحقيق ومتابعة هذه المعايير والمتغيرات لتغير البيئة لن تؤتي ثماره. الدفع بالتخصيص دون التعامل مع البيئة التحتية التنظيمية والنظامية سيضر بالتخصيص.

عمود صحافي لن يستطيع استيعاب حلول، ولكن التعويل على التخصيص وحده ليس حلا أيضا. أنا شخصيا أرى أن نسعى لخطوات عملية صغيرة وتدريجية تتعامل مع الجزيئات لتغيير البيئة قبل الشروع في برامج كلية مثل التخصيص. أول خطوة مراجعة حوكمة الشركات الحكومية والخاصة؛ الخيار بين ملكية القطاعين العام والخاص قد يكون خادعا دون حوكمة دقيقة نشطة؛ الفساد وعدم الفعالية قد يحدث في الشركات العامة والخاصة. هناك أمثلة حية على الكفاءة حين تحضر الحوكمة مثل سابك على الأقل مع الإدارات السابقة وهناك تآكل لتجربة أرامكو والتجربة المريرة مثل سمارك، وهناك معادن التي في حالة انتظار. لذلك فإن الاهتمام بالحوكمة أهم بكثير من التخصيص. ثانيا التساؤل حول كفاءة النخبة الأكاديمية والعلمية، خاصة في البعثات والجامعات، فمثلا سيتبادر لكثير أن التعليم هو السبب وهذا خطأ منهجي- فغالبية الوافدين حتى مع استثناء الخدم والسائقين هم في المتوسط أقل تعليما من المواطنين. ولا بد من تقليل الدعم وهيكلته تدريجيا ورسم بسيط على كل عقار حتى السكني منه بنسب مختلفة ورفع الرسوم على الاستقدام لتغيير المعادلة وأخيرا توقف الحكومة عن التوظيف قدر الإمكان. ثالثا، تقوية هيئة السوق المالية نظاميا ومعنويا وبشريا وإعطائها دورا في حوكمة الشركات الحكومية والعائلية قبل التخصيص.

في الأخير التخصيص آلية، وليس سياسة اقتصادية، ولذلك فإن الاستعانة بمزيد من الاستشاريين، كما حدث في وزارة العمل وبرنامج الملك عبدالله للتعليم وغيرهما والترويج للتخصيص على أنه المنقذ خطأ فكري يعبر عن استعارة من الآخرين دون تفهم وتحليل لأوضاعنا وغير ممكن عمليا.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.