.
.
.
.

محركات التغيير والعناصر المفقودة

ذكاء مخلص الخالدي

نشر في: آخر تحديث:

أصدر نائب الرئيس الأميركي السابق آل غور حديثاً كتاباً حدد فيه العوامل التي ستقرر مستقبل العالم سماه «المستقبل: ستة محركات للتغيير العالمي». وهذه المحركات هي:

- الأول، نشوء اقتصاد عالمي مترابط في شكل عميق تعبر عنه الشركات العالمية العابرة للحدود أو القارات وتدفقات رأس المال. ومن نتائج توسع نشاطات هذه الشركات ازدياد استخدامها للروبوتات التي حولت الوظائف البشرية من الإنسان إلى العمليات الآلية وبرامج الكومبيوتر، واعتماد الاقتصادات الصناعية على اليد العاملة الخارجية كالمهاجرين والعمال غير الشرعيين، وتأثير ذلك في العمال الوطنيين.

- الثاني، تنامي الثورة العلمية التكنولوجية خصوصاً شبكات الاتصال الإلكترونية إذ أصبح بإمكان الملايين من البشر الحصول على كم هائل من المعلومات والبيانات بسرعة غير مسبوقة وهذا سيغير من عمل وسائل إعلامية وفكرية كانت ولا تزال تمارس إلى حد بعيد دوراً مهماً في صناعة الحاضر.

- الثالث، تحول ميزان القوى بين الدول في شكل كبير. فنشاط الشركات العابرة للقارات حولت القوة الاقتصادية التي بنتها الثورة الصناعية في الغرب خلال القرن العشرين إلى الشرق. فالصين، كأكبر الأمثلة، باتت تتفوق على الولايات المتحدة كمركز ثقل في الاقتصاد العالمي بالإضافة إلى اليابان والهند.

- الرابع، طبيعة النمو الحاصل في السكان والمدن واستهلاك الموارد واستنزاف التربة ومنابع المياه وأنواع الكائنات الحية الذي يصطدم عملياً مع حدود الموارد الطبيعة الرئيسة التي تعتمد عليها حياة البشر. مع ذلك فإن النمو بالوسائل المعتمدة لا يزال مهيمناً على معظم السياسات الاقتصادية الوطنية منها والعالمية.

- الخامس، ما أنتجته الثورة التكنولوجية من تقنيات قوية في مجال البيولوجيا وعلوم الكيمياء الحيوية والجينية. فللمرة الأولى في التاريخ يخلق العالم الرقمي للبشر قدرة على تغيير تكوين الكائن البشري وإعادة اكتشاف الحياة والموت.

- السادس والأخير، يتعلق بالبيئة والتوازن المناخي على كوكب الأرض. فتطور الحضارة البشرية يترك آثاره المدمرة على النظم الإيكولوجية للأرض.

هذه هي باختصار محركات التغيير التي ستقرر مستقبل العالم والبشرية كما حددها غور، السياسي المخضرم والناشط البيئي. وعلى رغم أن هذه المحركات معروفة وجرى تناول بعضها بكثافة في بحوث ودراسات عديدة، إلا أن فحوى اثنين منها يسترعي اهتماماً خاصاً. الأول، إشارته الواضحة في المحرك الأول إلى الدور الذي سيتركه استخدام الروبوتات وبرامج الكومبيوتر على مستقبل العمال في العالم.

والثاني، التصادم المتوقع بين طبيعة النمو الحاصل في السكان والمدن واستهلاك الموارد الطبيعة من مياه وغذاء ومعادن من جهة، وبين محدودية هذه الموارد من جهة أخرى، وبينما النمو بالوسائل التقليدية لا يزال مهيمناً على معظم السياسات الوطنية والعالمية في الواقع، يُعتبَر التصادم بين الموارد الطبيعية المحدودة وتزايد مصادر الطلب عليها متوقعاً وحتمياً.

لكن الكتاب أهمل محركين مهمين. الأول، تنامي ضعف الدور القيادي للأمم المتحدة ومؤسساتها والمنظمات الدولية الأخرى، الأمر الذي سيترك الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية تسير في فوضى أهواء الدول الكبيرة التي تتخذ السياسات التي تعتقد أنها ملائمة لها بغض النظر عن تأثيراتها لاحقاً في الدولة نفسها وفي بقية العالم كما حصل في أزمة 2008 وقرار الولايات المتحدة غزو العراق في 2003 بناء على معلومات خاطئة ثم قرارها إعادة ترتيب الشرق الأوسط من خلال الفوضى الخلاقة.

والأمر الثاني الذي أهمله الكتاب هو الانفلات المالي على مستوى الدول والعالم. فعندما تنفق الحكومات بغض النظر عن قدراتها المالية وتتفنن الأسواق المالية في خلق أدوات تشجع على المضاربة، سيؤدي الأمر إلى استمرار تنامي الفجوة بين حجم الاقتصاد المادي وحجم الاقتصاد النقدي وما سينتج من ذلك من فقاعات مالية تتسبب عندما تنفجر بنتائج وخيمة على فرص العمل والإنتاج وتجرف معها جهود عقود من التنمية المضنية في الدول النامية.

*نقلا عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.