.
.
.
.

السيارات أولى بفرض رسوم جمركية من التبغ

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

لا شك أن التدخين مرض فتاك، يقتل سنويا أكثر من 20 ألف إنسان في المملكة وحدها، وذكرت تقارير أن هناك ستة ملايين مدخن في المملكة، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى عشرة ملايين مدخن عام 2020، وأن المملكة تمثل المرتبة الرابعة عالميا بسبب إنفاق ما يزيد على 12 مليار ريال كل عام على السجائر. ولهذا كله فقد توجهت الأنظار نحو زيادة الجمارك على هذه السلعة الفتاكة ورفع أسعارها إلى حد كبير، وهذا ببساطة يعني أننا اتخذنا عقوبات اقتصادية على هذه السلعة للحد من انتشارها في المجتمع، وأيضا ـــ وهذا مهم ـــ أن هذه السلعة الفتاكة تتسبب في زيادة الأعباء على الخدمات الصحية، فلا بد إذاً أن ترفع في مقابل تلك الأضرار التي تتسبب فيها.

لدينا تجربة أخرى حول استخدام الجمارك للحد من الظواهر السلبية، فالمكيفات سيئة الصنع تتسبب في استهلاك هائل للطاقة الكهربائية، حيث يستهلك التكييف 70 في المائة من إجمالي استهلاك الكهرباء في المباني، وهو ما يعادل ثلثي الطاقة الكهربائية المستهلكة في السعودية، وقد ظهر أن مكيفات الفريون الجدارية تستهلك بسعاتها المختلفة طاقة كهربائية تعادل تقريبا استهلاك 100 ـــ 250 وحدة إضاءة عادية، وكان لدينا أكثر من 20 مليون جهاز تكييف، 70 في المائة منها من نوع مكيفات الفريون الجدارية. وهذا دفع الاستهلاك المحلي للطاقة إلى مستويات هائلة، حيث وصل متوسط استهلاك الفرد في المملكة إلى ضعف متوسط الاستهلاك العالمي، فيما وصل استهلاك المملكة من الطاقة الأولية إلى أكثر من أربعة ملايين برميل نفط مكافئ يوميا لتلبية الطلب المحلي، وهو ما يعد من أعلى المستويات الاستهلاكية في العالم. وللحل فقد توجهت المملكة إلى فرض مواصفات قياسية لمنع استيراد المكيفات سيئة التصنيع التي تستهلك كثيرا من الطاقة، وسيتم إيقاف استيراد المكيفات الفريون الجدارية، كما تم فرض كثير من القيود على استيراد المكيفات بشروط قياسية متقدمة للحد من هذه الظاهرة، وقد بدأت نتائج التجربة تؤتي ثمارها.

هاتان تجربتان واضحتان جدا على ما يمكن أن تفعله الأنظمة الحكومية والجمارك للحد من الظواهر السلبية في المجتمع، من خلال فكر اقتصادي بحت، حيث يمكن فرض ضرائب وشروط جمركية ترفع من أسعار المنتجات الخطرة التي لا يمكن منع تداولها بالطرق القانونية والأمنية الصرفة، كما يمكن فرض مواصفات قياسية لدخول المواد والأجهزة التي تتسبب في أضرار اقتصادية جمة.

فمن المستغرب إذاً كيف لا يتم تطبيق هذه النماذج على صناعة السيارات التي تتلف الأمرين معا، الإنسان والاقتصاد. لقد اجتمعت الآفات كلها في هذه السيارات القاتلة التي تسير بسرعات هائلة جدا، تتجاوز 250 كيلو مترا في الساعة بينما لا تحمل مواصفات سلامة أو أمن لسيارات تسير بسرعة 100 كيلو متر في الساعة. من المدهش أن تجد سيارات صغيرة تشجع الحكومة على اقتنائها، لأنها تستهلك قليلا من الوقود، بينما لديها سرعات مرعبة بمواصفات سلامة رديئة جدا، وكيف أيضا يرتفع التأمين على رجل ناضج يمتلك سيارة عائلية ذات مواصفات أمنية عالية وسرعات محدودة، بينما يقل التأمين على شاب في سن المراهقة لديه سجل حافل بالمخالفات المرورية ويقود سيارة خفيفة رياضية تصل سرعتها إلى 250 كيلو مترا وليس فيها وسائل السلامة المناسبة.

إذا كنا نريد قياسها بالأمن والصحة والسلامة، فإن حوادث السيارات تزيد على التدخين بل تزيد على الحروب في أقرب المناطق الملتهبة، حيث وصل معدل الوفيات إلى مستوى مرتفع بمعدل يصل إلى 20 حالة وفاة في اليوم، وأن 73 في المائة من مجمل الوفيات المسجلة من الفئات العمرية دون 40 سنة. وهناك دراسات وتقارير نشرتها الصحف المحلية تؤكد أن السرعة تأتي في مقدمة أسباب الحوادث وتسهم بنسبة 24.6 في المائة، وتصل نسبة المصابين نتيجة حوادث السرعة إلى 70 في المائة من مجمل حوادث الوفيات، وأن 80 في المائة من الحوادث المرورية في المملكة التي تخلف مصابين تقع داخل المدن، وتبلغ الخسائر المادية في المملكة الناجمة عن الحوادث المرورية 50 مليار ريال سنويا، وأن ثلث الأسرّة في المستشفيات مشغولة بمصابين من حوادث السيارات.

إذاً نحن أمام ظاهرة جمعت بين أضرار التدخين الصحية وبين أضرار المكيفات الاقتصادية، ومع ذلك فلم يتخذ ضدها أي إجراء نظامي واقتصادي قوي من خلال الجمارك. لا بد من تدخل في عملية تصنيع السيارات، فسرعة السيارات يجب أن تتناسب مع مستويات السلامة والأمان فيها، وكما نجحنا في فرض شروط ومواصفات تصنيعية في مقابل المكيفات نستطيع أن نفرضها على شركات تصنيع السيارات، حيث يجب ألا تتجاوز سرعة السيارة 120 كيلو مترا في الساعة للسيارة التي تخلو من مواصفات سلامة في الهيكل وفي المصدات الهوائية في الجوانب، كما يجب ألا تتجاوز سرعة السيارات 180 كيلو مترا على أي حال. في حال تجاوزت السيارات هذه السرعات يجب فرض جمارك عالية على هذه النوعية من السيارات، إضافة إلى رسوم تأمين عالية.

لقد امتلكنا الجرأة لمنع استيراد السيارات المستعملة إلا بشروط قاسية، لأننا نريد أن نحافظ على مستويات التلوث واستهلاك الوقود، بينما نسمح بدخول سيارات تهلك الحرث والنسل وتنشر الفساد بين الناس.

في اعتقادي أن هذا تناقض غير مفسر ولا بد من اتخاذ إجراءات أمام هذه النوعية من أدوات القتل التي تنتشر بين أبنائنا الشباب، وبطريقة نظامية اقتصادية معتمدة، كما يجب أن يعاد النظر في التأمين، لأنه مصدر من مصادر ضبط سرعة السيارات ومواصفاتها، وأن تتم معالجة المصابين في الحوادث على نفقات شركات التأمين.

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.