.
.
.
.

الأردن ومعضلة هجرة الكفاءات

زياد الدباس

نشر في: آخر تحديث:

في الندوات والمؤتمرات المالية والاقتصادية، كثيراً ما يتبين من أوراق العمل والبحوث والاقتراحات والتوصيات التي يقدمها مغتربون أردنيون الدور الذي تؤديه الكفاءات الأردنية العاملة في دول الخليج أو أوروبا أو أميركا، في إثراء عملية التطور ودفع مسيرة التقدم والتنمية في الدول المضيفة.

لا جدال في أن الهجرة حق إنساني للعلماء والمتميزين والمتخصصين وأصحاب الخبرات، نظراً إلى عوامل كثيرة، منها ما هو سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، إضافة إلى البطالة في الدول المصدّرة للكفاءات أو عدم توافر فرص عمل مناسبة للمستوى العلمي والمهني والخبرات العملية للكفاءات البشرية، وانخفاض مستوى الدخل وتدني مستوى المعيشة، وبيئة العمل الطاردة والمحسوبية والواسطة في شغل المناصب المهمة وإسنادها إلى غير مستحقيها.

كل هذه العوامل تثير لدى الكفاءات شعوراً بالغربة في أوطانها نتيجة عدم وجود تقدير لها، بعكس ما هو متوافر في بلدان المهجر من امتيازات وتسهيلات وتقدير للعلماء والمتميزين، بغض النظر عن انتماءاتهم وأصولهم. لكن الهجرة في الوقت نفسه تُعتبَر استنزافاً لموارد التنمية للدول المصدّرة واستنزافاً للعقول المتميزة.

ولا بد من الإشارة إلى ان الأردن أنفق البلايين من الدنانير خلال سنوات طويلة، مثلما فعل لبنان وتونس ومصر، من أجل تنشئة هذه النخبة المتميزة من الخبراء والعلماء والأكاديميين وتأهيلها وتعليمها وتدريبها في أفضل الجامعات والمراكز العلمية العالمية لتستفيد الدول التي هاجر إليها أفراد من هذه النخبة المتميزة من خبرات هذه الكفاءات وتخصصاتهم وإبداعاتهم وبحوثهم من دون أي تكلفة تذكر، بينما حُرِمت دولهم من هذه الإبداعات العلمية والفكرية.

وفي المرحلة المهمة التي يمر بها الاقتصاد الأردني، إذ تسعى عمّان إلى تجاوز ما يعانيه هذا الاقتصاد من اختلالات هيكلية، تحتاج المملكة إلى الخبرة المتميزة والمتراكمة لمهاجريها من الكفاءات المتنوعة لتعزيز أداء اقتصاد بلادهم الأم وتنميته، ورفع مستوياتها الاجتماعية والصحية والعلمية، والمساهمة في تقدمها الصناعي والتكنولوجي، خصوصاً بعد خسارتها الدور التنموي لهذه الكفاءات نتيجة هجرتها.

تستطيع هذه النخبة المساهمة في تعزيز التقدم العلمي والمهني والإداري للأردن بعدما اكتسبت خبرات نوعية ومتميزة من مجتمعات أكثر تقدماً في الاختراعات والتطور التكنولوجي والنظم الإدارية المتطورة وفي مقدمها مجتمعات أوروبا الغربية وأميركا.

أما الكفاءات الأردنية في دول الخليج وبعض دول العالم والموزعة على العديد من القطاعات الاقتصادية والخدمية والمصرفية والاستثمارية والمالية، فأدت وتؤدي دوراً مهماً في التقدم والنجاحات التي حققتها وتحققها هذه الدول. وتتبوأ الكفاءات الأردنية مراكز قيادية واستراتيجية، ولها مساهماتها المهمة والواضحة والمتميزة، وهي محل تقدير في هذه الدول سواء في مجال القضاء وإدارة المصارف وإدارة شركات التأمين والعقارات والأجهزة الاستثمارية والأسواق المالية والقطاع الطبي والجراحات الدقيقة وعلوم الفضاء والاختصاصات العالية التقنية والجامعات الخاصة والحكومية.

وفي المقابل تساهم هذه الكفاءات، خصوصاً منها المقيمة في دول الخليج، في تعزيز الحوالات المالية إلى الأردن من العملات الصعبة، بما يساهم في تعزيز قيمة الاحتياطات الأجنبية وتعزيز ميزان المدفوعات الأردني إضافة إلى مساهمتها في حل جزء من مشكلة البطالة والاستفادة من استثمارات المغتربين المباشرة وغير المباشرة في القطاعات الاقتصادية المختلفة في بلادها الأم، بينما تساهم هجرتها إلى الدول المتقدمة في تنمية العنصر البشري الأردني علمياً ومهنياً.

وفيما لا تتوافر معلومات دقيقة عن أعداد المغتربين والمهاجرين الأردنيين والأردنيين الذين يحملون جنسيات البلدان التي يعيشون، لا تتوافر أيضاً معلومات دقيقة عن حجم النفقات والتكلفة التي تكبدها الأردن في تأهيل الكفاءات الأردنية المنتشرة في عدد مهم من دول العالم وتعليمها وتدريبها. وتصب معظم هذه النفقات والتكلفة في النهاية في خدمة دول المهجر من دون وجود دور واضح للدولة الأردنية والمؤسسات والجامعات والمنظمات الأردنية في معالجة هذه الظاهرة، من خلال منح هذه الكفاءات مشاركة فعلية في عمليات اتخاذ القرار المالي والاقتصادي والاستثماري والعلمي وإتاحة الفرصة لأصحاب الخبرات المهنية والعلمية في تطوير أوطانهم وقيادتها.

والملفت ان نسبة مهمة من الأردنيين الذين درسوا في الولايات المتحدة لم يعودوا إلى العمل في بلدهم، نتيجة شعورهم ان هذه الدول قدمت لهم البيئة المناسبة، سواء العلمية والعملية والاجتماعية والسياسية، وهو ما ينطبق على الدارسين في كندا واستراليا وفرنسا وبريطانيا.

* نقلا عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.