.
.
.
.

صدقة لله يا أثرياء العرب

عبدالله بن عبدالمحسن الفرج

نشر في: آخر تحديث:

بغض النظر عن التغيرات التي طرأت على قائمة «فوربس» 2016 لأثرياء العالم، والتي صدرت مؤخراً، فإنها لا تغير من الواقع كثيراً. فهذه القائمة تعكس دون شك التغيرات الاقتصادية التي طرأت في العالم خلال العام الماضي 2015 وأدت إلى زيادة الثروة لدى البعض وانخفاضها لدى آخرين. ولكن الأهم أن هذه القائمة توضح أن أصحاب الجاه والنفوذ الذين لا يزالون يسيرون هذا العالم ويتحكمون في مصيره هم الأساس والركيزة للأمن والاستقرار الذي تنعم به بلدانهم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

وهذا هو واحد من أوجه الاختلاف التي تفرق بينهم وبين زملائهم العرب. فالأثرياء العرب يحرصون على تزيين صورهم في وسائل الإعلام بالكلام أو بالفعل الممتنع، وذلك من خلال المناسبات التي يشاركون فيها أو أثناء الاجتماعات التي تعقد في مقار شركاتهم. أما وزنهم في الناتج المحلي الإجمالي العربي فإننا لا نراه أو هو لا يذكر لضآلته. كما أن نشاطهم الاجتماعي ودعمهم للثقافة والعلم والمعرفة هو الآخر مثل وزنهم الاقتصادي غير ملحوظ؛ هذا إذا لم نقل إنه غائب. اللهم إذا استثنينا بعض الظواهر التي لا يمكن تعميمها على الجميع مثل جائزة العويس للإبداع. إذ حتى الأعمال الخيرية للأثرياء العرب، والتي حض عليها ديننا الحنيف، نراها موسمية ولا تحمل الطابع المؤسساتي. وهذا على العكس من اثرياء العالم الذين يحرصون على الدعاية لنفسهم من خلال الأعمال الخيرية التي تضطلع بها المؤسسات الاجتماعية التي ينشئونها لهذا الغرض كما هو حال بيل جيتس ورجل الأعمال الشاب مارك زوكربيرج الذي تركز مبادرته على قضايا مثل التعليم، والقضاء على الأمراض، بالإضافة إلى بدعته الفيس بوك التي ساهمت في بناء مجتمعات أقوى من خلال تواصل الأشخاص مع بعضهم البعض.

فأين هي مبادرات الأثرياء العرب الخيرية وماذا عن المسؤولية الاجتماعية لشركاتهم؟

إنها شبه معدومة. وهذا ربما واحد من الأسباب التي أدت إلى الاستقطاب في الشرق الأوسط وإلى بروز ظواهر مدمرة في منطقتنا لا يوجد لها مثيل في بقية بلدان العالم وقاراته. فنحن الوحيدون الذين تمكنا من انتزاع ماركة مسجلة باسمنا يطلق العالم عليها مصطلح الربيع العربي. فهذه الماركة العربية بامتياز تبين إنه من غير الممكن أن يتراكم الثراء لدى جهة في الوقت الذي يزداد فيه الفقر من الجهة الأخرى. فهذا له نتائج خطيرة على الاستقرار والسلم الاجتماعي. ولذا نرى الأثرياء في العالم الصناعي يبادرون مثلهم مثل حكوماتهم ويأخذون على أنفسهم العديد من المسؤوليات تجاه المجتمعات التي يعيشون فيها. وهذا يحدث ربما ليس لأن هؤلاء الأغنياء قد أصبحوا فجاءة يحبون الفقراء؛ وإنما بهدف خفض التوتر في بلدانهم والحيلولة دون حدوث اضطرابات أو ثورات قد تؤدي إلى تدمير ممتلكاتهم.

أما الأثرياء العرب فهم لا يزالون يعيشون، كما يبدو، في القرن الثامن عشر. فقبل ثلاثة قرون كان أصحاب المال في أوروبا لا ينظرون إلى أبعد من مصانعهم وشركاتهم. ولكنهم تعلموا، بعد الأحداث الدرامية التي شهدتها القارة العجوز وبعد القلاقل والاضطرابات التي عصفت بأوروبا في القرن الثامن والتاسع عشر، إن الغناء الفاحش والفقر المدقع لا يمكنهما أن يجتمعا في آن واحد.

* نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.