ضعف العدالة في ضريبة القيمة المضافة

تركي عبد العزيز الثنيان
تركي عبد العزيز الثنيان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

منذ أكثر من عشر سنوات، وضريبة القيمة المضافة تطرق مسامعنا على استحياء تارة وبجسارة تارة أخرى. ومثل بقية المواضيع الأخرى، الكل يدلي بدلوه في وصفها واستحسانها كيفما بدا له، ولا سيما أن "الشيخ جوجل" كفيل بالإمداد السريع لكل من يريد سلق الموضوع. ولكن المستنكر أن تصدر أقوال غير دقيقة ممن نتوقع منهم أدق الأقوال. من أبرز ذلك، تصريح لوزير المالية في 4/5/2016، أهم ما جاء فيه قوله عن ضريبة القيمة المضافة "إنها من الضرائب التي فيها عدالة أكثر من غيرها". وهذا التصريح غير دقيق على الإطلاق. وغريب صدوره من رجل الاقتصاد المخضرم، ذي الخبرة العريقة، والخلفية الأكاديمية الرفيعة. يمكن توقع هذا التصريح من أي أحد إلا من وزير المالية. فقولا واحدا بين جميع مختصي المالية العامة والضرائب بلا استثناء أن أبرز عيوب هذه الضريبة هو انحراف ميزان العدالة في تطبيقها.

لنتعرف على موازين عدالتها باختصار. ببساطة ضريبة القيمة المضافة تتلخص في أن المستهلك يدفع نسبة إضافية عند شراء سلعة خاضعة للضريبة. فمثلا، لشراء سيارة بقيمة 100 ألف ريال، سيدفع المستهلك مبلغا وقدره خمسة آلاف ريال ضريبة قيمة مضافة (النسبة المقترحة في دول الخليج). لنتعرف الآن على عدالة الضريبة بمقارنة شخصين مختلفي الدخول: "سين" دخله السنوي 50 ألف ريال، سيدفع خمسة آلاف ريال ضريبة، وبالتالي فالضريبة تشكل 10 في المائة من دخله (كل شهر 4166 ريالا تقريبا). أما، "عين" فدخله السنوي خمسة ملايين ريال، وسيدفع خمسة آلاف ريال، وبالتالي فالضريبة تشكل 0.1 في المائة من دخله (كل شهر 416 ألف ريال تقريبا). واضح دون الحاجة إلى مزيد من الشرح أن "عين" لا يأبه لهذه الضريبة فهي تشكل لا شيء مقارنة بدخله الشهري البالغ 416 ألف ريال، بينما يشكل مبلغ الضريبة لـ "سين" نسبة معتبرة، فهي تفوق تعبه لمدة شهر كامل ـــ 30 يوم عمل. لا أعتقد أن الموضوع يستدعي مزيدا من الاسترسال، فمن الواضح أن وطأة ألم استقطاع الـ 5 في المائة تعتمد على حجم دخلك. وبما أن النسبة لا تتغير بتغير دخلك بغض النظر عن دخولهم المالية، فالنتيجة أن الاستقطاع المالي أوجع أحدهما أكثر من الآخر، وعليه فالعدالة أقل. الخمسة آلاف المنتزعة من "عين" أشد تأثيرا في مركزه المالي مقارنة بما يحدث لـ "سين" بعد استقطاع المبلغ ذاته.

ولأجل انحراف موازين العدالة في هذه الضريبة، يتم تخفيف وطأة تطبيقها بجناحين رئيسين. الأول: ضريبة دخل ترتكز على دخل الشخص متصاعدة مع حجم الدخل كي تحدث توازنا في عدالة تحمل الأعباء العامة. فمن يبلغ دخله مليون ريال في السنة يخضع لضريبة 20 في المائة مثلا، ومن يبلغ دخله 50 مليون ريال يخضع دخله لضريبة قدرها 30 في المائة، ومن لا يتجاوز 200 ألف ريال سنويا لا يخضع لضريبة دخل على الإطلاق. وهذه السياسة المالية بقصد إحداث توازن في التعرض لوطأة تحمل النفقات العامة بين ذوي الدخول المرتفعة والمنخفضة. الأمر الآخر الذي يوازيه أهمية، هو زيادة النفقات المخصصة لذوي الدخول المنخفضة ـــ تأمين طبي مثلا، حدائق عامة، نقل عام منخفض التكلفة .. إلى آخره من خدمات يستفيد منها بشكل أكبر أصحاب الدخول المنخفضة. لا أعرف دولة تم إقرار هذه الضريبة بمفردها فيها.

الموضوع فني بحت. ولكن الأكيد أن هناك إجماعا عالميا على أن ضريبة القيمة المضافة من أفقر أنواع الضرائب من ناحية العدالة، وتستدعي دوما مساندة بأدوات مختلفة لتخفيف آثار وطأتها على المستهلكين من الدخل المحدود. هي ضريبة يمكن تسويقها بسهولة باستخدام مزاياها الأخرى المتفق عليها فهي قليلة التكلفة ماليا، وذات تشوهات أقل اقتصادية، ومرتفعة الحصيلة، ولهذا هي معشوقة مسؤولي الخزانة العامة لكن رجاء: التقارير والدراسات مجمعة على أن موازين العدالة في هذه الضريبة متدنية!

* نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.