.
.
.
.

القمح السوري مهدد بالانقراض

نشر في: آخر تحديث:

يعاني الفلاح السوري من عقبات كثيرة تقف حائلا بينه وبين مزروعاته التي كانت من أهم روافد الاقتصاد السوري ما قبل الثورة السورية، وفي هذا العام تراجعت المساحات المزروعة مقارنة مع الأعوام السابقة، ما يضع الأمن الغذائي في كل من المناطق المحررة والخاضعة تحت سيطرة النظام في مهب الريح.

وقد فقدت سوريا زراعة القمح في محافظة الحسكة التي كانت تزود سائر البلاد بحوالي 65% من هذه المادة الاستراتيجية ما قبل الثورة السورية. وبعد انطلاق الثورة عمد نظام الأسد إلى تحويل الأراضي الزراعية إلى ساحات حرب ومرمى لنيران طائراته ومدفعياته، ما أدى إلى هجرة اليد العاملة، كما أن امتناع المصرف الزراعي عن تزويد المزارعين بالدعم المطلوب لزراعة القمح وإثقالهم بالديون والقروض التي استوجبت السداد الفوري لعجز النظام المادي، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع أسعار المحروقات لمستويات قياسية، ما أدى إلى نزوح المزارعين وتراجع زراعة المحصول الاستراتيجي.

أما محافظة الرقة التي كانت تحتل المرتبة الثالثة في إنتاج القمح على مستوى سوريا، وفق بيانات وزارة الزراعة، فقد تعرضت لتراجع كبير في زراعته، حتى في الأراضي المعتمدة على قنوات الري، بسبب غلاء الوقود اللازم لتشغيل المحركات والارتفاع المرعب في أسعار الأسمدة.

وتراجعت المساحة المزروعة بالقمح في محافظة الرقة من 161303 هكتارات في 2011 وبكمية إنتاج بلغت 607 آلاف طن، إلى 376 ألف طن في 2014، وفق أرقام المجموعة الإحصائية.

غلاء الوقود يحول الزراعة إلى بعلية

حول زراعة القمح في إدلب، قال الدكتور خالد الحسن، الخبير في العلوم الزراعية ومدير "زراعة إدلب الحرة" لـ"العربية.نت": "تراجع المساحات المزروعة من القمح يعود لعدة أسباب، أولها تحول المساحات الشاسعة من الأراضي لزراعة بعلية بعدما كانت مروية، ما أدى إلى تراجع الإنتاج، وذلك جراء ارتفاع أسعار الوقود لمستويات خيالية، حيث يحتاج تشغيل البئر الواحدة لمدة سبع ساعات إلى برميل من المازوت، بينما في السابق كانت تتم عملية الري إما بالتنقيط أو بالرزازة، مع العلم أن 90% من الأراضي كانت تروى بالرزازة".

وأشار إلى أن مساحة الأراضي التي كانت تزرع قبل الثورة في محافظة إدلب بلغت 68 ألف هكتار، وقد تراجعت هذه المساحة بعد الثورة إلى نحو 17 ألف هكتار، أي أن المساحات المستصلحة تقلصت إلى حوالي الربع.

وأضاف الحسن أن ارتفاع المردود الاقتصادي مقارنة بالقمح جعل المزارع يتحول إلى زراعة أنواع أخرى كالمزروعات العطرية من الكمون وحبة البركة واليانسون، التي تواكب الظروف المالية الجديدة وتساعده على تغطية تكاليفها.

وأوضح أن كمية الإنتاج الحالية من القمح في محافظة إدلب انخفضت من 189 ألف طن قبل الثورة إلى ما يقارب 40 ألف طن.

وأشار الحسن أيضاً إلى أن المديرية تعمل بكل طاقتها على توفير ما أمكن من المساعدات لتقديمها للفلاح، وتشجيعه على زراعة القمح، ومن بين ما تقدمه المديرية البذور والسماد بأسعار مدعومة للمزارعين من المنظمات الإغاثية وبعض المصادر الموثوقة، إضافة إلى تقديم أكياس خيش مجانية بالتعاون مع مصلحة الحبوب الحرة، موضحا أنه يجب الإسراع قدر الإمكان في مساعدة المزارع على تخطي العقبات التي تقف في وجهه، من خلال دعم سعر شراء بيع القمح مقابل المزروعات الأخرى وتأمين كافة مستلزماته.

واستطرد مدير "زراعة إدلب الحرة" قائلاً: "نحن الآن بصدد تسعير القمح بالمناطق المحررة، وستكون أسعاره مجزية للتشجيع على عودة زراعة القمح لسابق عهدها، وكل ذلك لتأمين رغيف العيش الذي أصبح من الصعب تأمينه للمواطن السوري".

درعا ليست أفضل حالاً

لم تكن زراعة القمح في محافظة درعا أفضل حالاً من إدلب، حيث قال المهندس ناصر الزعبي لـ"العربية.نت": "تأثرت زراعة القمح في درعا سلبا، وانخفضت المساحات المستغلة التي كانت تزرع قبل الثورة لأقل من الثلث، وباتت معظم المساحات المزروعة بعلية، والسبب عدم تمكن المزارعين من استثمار الآبار الارتوازية لعدم توفر التيار الكهربائي، والغلاء الفاحش لمادة المازوت، وصعوبة تأمينها والتكاليف العالية جدا لاستثمارها".

وذكر الزعبي أن هناك سبباً رئيسياً وهو عدم شعور المزارع بالأمان والاستقرار لكي يغامر برأسمال كبير في الزراعات المروية، إذ إن طائرات الأسد لا تتوانى عن استهداف الأراضي الزراعية، وكذلك عدم توفر الأسمدة اللازمة والبذور المحسنة، مضيفا أنه في حال قام المزارع بزراعة مروية، فعليه تأمين احتياجاته عن طريق التجار والسماسرة، حيث يتكبد تكاليف عالية جدا، إضافة إلى صعوبة النقل وارتفاع تكاليفه.

وقال الزعبي أيضاً إنه "لغاية الآن لا يوجد أي دعم أو تشجيع لزراعة وإنتاج هذا المحصول الاستراتيجي، الذي يعتبر أساسيا لاستمرار حياة شعبنا وصموده".

يذكر أن منظمات تابعة للأمم المتحدة قدرت إنتاج القمح في سوريا عام 2015 بنحو 2.445 مليون طن، ما ينبئ عن عجز مرتقب قدره 800 ألف طن.

وما زال القطاع الزراعي في سوريا منهكاً بسبب الحرب الشعواء التي فرضها نظام الأسد على الشعب السوري، وهذا ما قد يفقد المواطن السوري رغيف عيشه في المستقبل القريب إن لم تتدخل المنظمات المعنية والأمم المتحدة لإيقاف مجازر الأسد بحق البشر والنبات والحجر.