.
.
.
.

هل دقت أجراس إنذار سوق السندات حقيقة الاتجاه الحقيقي للاقتصاد؟

عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

نشر في: آخر تحديث:

في عالم من أسعار الفائدة السلبية الآخذ في التوسع باستمرار، تسبب في علاقة أساسية بين السندات والأسهم، وهما مجالان يتحركان تقليديا في اتجاهين متعاكسين، هناك تناقض في أداء الأسعار الصاعدة في كلٍّ من الأسهم والسندات خصوصا في الولايات المتحدة، حيث عائدات سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأمد انخفضت إلى مستويات قياسية وحتى عائدات سندات الشركات الأمريكية التي هي في أدنى حد منذ عقود.

هذا الانخفاض أثار دهشة المستثمرين باعتباره أقوى علامة حتى الآن على الصورة التي أصبحت عليها الأسواق المشوهة بعد نحو ثمانية أعوام من بدء البنوك المركزية بتشريع سياسات أسعار الفائدة القريبة من الصفر ومن تحول هذه البنوك لتصبح من كبار مشتري السندات حيث نجد أن المركزي الأوربي قد يزيد حجم التيسير الكمي من 80 مليار يورو إلى 100 مليار يورو، من أجل أن تزيد تدفقات النقود في المستقبل.

هذا السيناريو الذي تتبعه الدول التي تضررت من الأزمة المالية عام 2008 الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي واليابان، أي أنه يوفر حماية ضئيلة ضد التضخم الأعلى والتوجه نحو بناء اقتصادي قوي، ما يعكس واقعا اقتصاديا مشوها.

أصبحت أهداف المحافظ الاستثمارية يهيمن على أدائها تثبيت الدخل، وأصبح الحصول على العوائد تعتمد على بيئة أسعار الفائدة المنخفضة، ولا يستطيعون الحصول على العوائد من المصادر التقليدية كما كان قبل الأزمة المالية.

بدأ المستثمرون الأمريكيون يتحولون إلى الأوراق المالية ذات العائد الأعلى، بعيداً عن عالم متنام باستمرار من السندات ذات العوائد السلبية بمقدار 12 تريليون وأكثر، ويدرك المستثمرون أن الاحتفاظ بالسيولة النقدية يمكن أن تؤدي إلى اختفاء 1.5 في المائة من العوائد نتيجة التضخم، بينما الاستثمار في السندات رغم انخفاض العوائد يمكن الحصول على عوائد 1.5 - 1.2 في المائة، أو الاستثمار في الأسهم الاستثمارية التي تدفع أرباحاً يمكن الحصول على 4.3 وأحيانا 5 في المائة.

في الفترة الماضية دائما ما كان يعتبر المستثمرون أن سوق السندات هي مكان البحث الواقعي عن الاتجاه الحقيقي للاقتصاد، ويعتبرونها سوقاً أكثر ثباتاً واستقرارا في المعتاد من سوق الأسهم، بسبب أن سوق السندات ترتبط في العموم ارتباطاً وثيقاً بآفاق النمو والتضخم، لكن أسعار الفائدة التي تسود حالياً في جميع الاقتصادات المتقدمة الكبرى التي لا تزال منخفضة بصورة استثنائية لسنوات مقبلة، ما يعني أن النمو سوف يظلُّ ضعيفاً لدرجة أن البنوك المركزية لن تكون قادرة على رفع أسعار الفائدة لسنوات مقبلة.

وبالنظر إلى منحنى عائدات السندات الأميركية الذي يوضح أسعار الفائدة بالمقارنة بالسندات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، فإن المنحنى يشير إلى فرصة 60 في المائة لوقوع الركود خلال عام 2017 استنادا إلى الأنماط التاريخية المسجلة، بعدما سجلت أسعار الفائدة طويلة الأجل أدنى معدلاتها القياسية خلال تاريخ الولايات المتحدة الأميركية البالغ 227 عاماً.

هناك أسباب للاعتقاد بأن الأسعار الحالية تعكس بعض الخواص المتعلقة بالعرض والطلب على الأصول الآمنة، بدلا من القناعة السائدة بين المستثمرين العالميين بأنهم في انتظار الأوقات الصعبة في السنوات المقبلة، رغم ذلك تشتري البنوك السندات لتتوافق مع القواعد التي تقيد المخاطر التي يمكن خوضها.

عبر السنوات الماضية أصبحت البنوك المركزية أكبر المشترين للسندات، وبرنامج بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي للتسهيلات الكمية عن طريق شراء السندات بهدف تحفيز الاقتصاد قد انتهى عام 2014، لكن البنك المركزي الأوربي وبنك اليابان لا يزالان مستمرين في ذلك البرنامج، ويعتبرها الاقتصاديون مؤسسات مالية تشتري السندات لا تتسم بالمرونة الاقتصادية، أي أن الحكومات تستخدم العجز الحكومي في دعم الاقتصاد المتعثر، وهو السبب الرئيسي الذي يجعل الاقتصادات لا تستجيب لأسعار الفائدة المنخفضة التي تهدف إلى الزيادة الجذرية للعجز في الإنفاق وبالتالي زيادة المعروض من السندات.

لذلك فإن ارتفاع الطلب على السندات لا علاقة له وبشكل كبير بالأسعار إلى جانب العرض الثابت إلى حد كبير والذي يؤدي إلى رفع الأسعار الأمر الذي يعني في سوق السندات انخفاض أسعار الشراء.

سوق السندات أصبحت عالمية، وعندما كانت تقدم السندات الألمانية واليابانية عوائد سلبية، كانت تقدم سندات الخزانة الأمريكية 2 في المائة أو نحوها في بداية عام 2016 ما يعني أن الولايات المتحدة استوردت بيئة أسعار الفائدة المنخفضة تلك من الخارج على الرغم من أن الاقتصاد الأمريكي المحلي في وضع جيد لدرجة أن بنك الاحتياطي كان يخطط لرفع أسعار الفائدة.

ما يعني أن الركود قادم من سوق السندات إشارة خاطئة، ويجب النظر في الأسواق الأخرى التي يمكن أن تكون معيبة ومشوهة، رغم ذلك هناك من يعتقد أن مؤشر التقلبات في سوق الأسهم المستقبلية منخفضة للغاية، وأسعار النفط قد توقفت عند الحد المسجل من مكاسبها.

لم يعد سوق السندات في الوقت الراهن الاعتماد عليه كما كان في السابق، وقد يكون أقل فائدة من المعتاد، ويساور المستثمرون القلق بشأن إمكانية وقوع العالم في فخ اقتصادي انكماشي سيء لن يتحسن في وقت قريب.

لا يزال البعض يعتقد أن هناك منطقاً غريباً وراء انخفاض السندات وارتفاع الأسهم، بعدما هوت عائدات السندات إلى معدلات دنيا بالمستويات التاريخية، وتراجعت عائدات السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أقل من 1.4 في المائة.

مدى التناقض الذي تتسم به الأحداث، هبوط عائدات السندات إلى هذا المستوى يعني الركود من الناحية العملية، وفي نفس الوقت المستثمرون يسارعون من الهروب من الأصول ذات المخاطر العالية مثل الأسهم، لكن هذا لا يتناسب مع نمط التحركات في السوق، فمنذ ارتفاع ستاندرد آند بوز في منتصف 2016، القطاعات التي تحقق أفضل النتائج كانت تلك التي تعتبر أكثر مقاومة للركود، وتفوقت الأسهم ذات المعدل الأدنى من التقلب، وبذلك ينظر إلى الأسهم ذات العائد المرتفع على أنها بدائل للسندات.

كانت الأسهم الأمريكية ساكنة منذ انتهاء برنامج التسهيل الكمي لشراء الأصول في الولايات المتحدة عام 2014، والآن تظهر عائدات السندات المنخفضة أن السيولة المندفعة من البنوك المركزية الأخرى يمكنها التغلب على هذا، لذلك ارتفعت الأسهم الأمريكية، لكنه لا يعتبر أساسا مأمونا يمكن الاستثمار عليه، واعتبار تسجيل عوائد سندات منخفضة تتعايش مع أسواق أسهم مرتفعة بشكل قياسي بيئة صعبة، وتجعل المستثمرين الذين يحاولون التغلب على السوق بدلا من مجرد تعقب المؤشرات، يواجهون شيئا يقترب من التحول إلى أزمة، فمنذ بداية 2016 حتى مايو خسرت الصناديق النشطة أصولاً بقيمة 213 مليار دولار، بينما كسبت الصناديق السلبية 240 مليارا.

لذلك فإن السيدة الحديدية الجديدة تريزا ماي محقة بشأن إصلاح الرأسمالية عندما وعدت بعلامة تجارية ألطف للرأسمالية وحكومة مستعدة للتدخل لتسوية الفوارق وتحدي المصالح الخاصة التي أتت عكس إصلاحات المرأة الحديدية الأولى تاتشر، لكن المرأة الحديدية الجديدة وجدت هناك مشكلة أعمق بكثير، هناك الكثير من تحقيق الأرباح والقليل جدا من إيجاد الثروات، وستخالف وزير المالية السابق جورج أزبون الذي صاغ عبارة نحن جميعا في هذا معا لوصف نهجه نحو التقشف، تمت مناقضة هذه المشاعر من قبل الإجراءات التي اتخذتها وزارة الخزانة، ثم تحميل التقشف المالي بشكل كبير على تخفيضات الإنفاق وليس على الضرائب الأعلى، لضمان أن الألم الذي شعر به الأقل ثراء بشكل غير متناسب، لن تكرر ماي هذا الخطأ.

حيث سيكون من المثير للدهشة إذا لم يكن تهرب الشركات العملاقة الرقمية مثل آبل وأمازون وجوجل من دفع الضرائب على رأس قائمتها فيما يتعلق بهذا الشأن.

هذه الشركات التي تتجاوز عالم التكنولوجيا، تكتفي مدعية أن الهياكل الضريبية عبر الحدود المعقدة الخاصة بها من الناحية التقنية لا تنتهك القانون، لقد فشلت في إدراك أن اقتصادات السوق الناجمة تعتمد على الاعتراف بالمعايير والقواعد والمسؤوليات المشتركة التي تتجاوز كتاب القوانين.

هناك مفاهيم للرأسمالية جديدة ظهرت في الآونة الأخيرة كالرأسمالية الأخلاقية ونموذج الاقتصاد التشاركي الذي يرى في أن الناتج المحلي الإجمالي مقياس رديء للرفاهية الاجتماعية لأنه فشل في التفريق بين المحاسن والمساوئ الاجتماعية التي يجب أن تكافئ الشركات على مدى تصرفها بطريقة إنسانية وتعاونية ومستدامة وعادلة وديمقراطية.

* نقلا عن صحيفة الجزيرة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.