اقتصاد الهند.. قطاعات مهملة ورؤية غير شاملة

نشر في: آخر تحديث:

أشارت البيانات الرسمية حتى نهاية العام الماضي، إلى أن اقتصاد الهند كان الأسرع نمواً في العالم؛ لكن شكوكاً خطيرة بدأت تتملك كثيرين بشأن الحالة الحقيقية للاقتصاد.

فقد نما الاقتصاد بنسبة 5% في الربع الأخير، مما أدى إلى سلسلة من عمليات إعادة التدوير النزولي للنمو للعام المالي كاملاً. وفي الآونة الأخيرة، أشارت "وحدة الاستخبارات الاقتصادية" إلى أن النمو في السنة المالية 2020 سيكون 5.2%، وهي النسبة التي تقل كثيراً عن الإمكانات المتاحة.

ولم يفاجَأ أحد في وقت سابق من هذا الشهر عندما خفض البنك الدولي توقعاته للنمو لعام 2019 للهند إلى 6%، مقارنة بنسبة 7.5% قبل أربعة أشهر فقط، وحذا صندوق النقد الدولي حذوه؛ حيث خفض من توقعاته البالغة 7% في يوليو/تموز إلى 6.1%، وفقا لما نقلته صحيفة "الشرق الأوسط".

وحتى وقت قريب، كانت نسبة النمو 7%، أو حتى 8%، تعتبر حقاً مكتسباً في الهند، وهو الحد الأدنى الذي لن يتسبب في خفض نمو الناتج المحلي الإجمالي، إلا إذا كانت هناك أزمة عالمية. إذن ماذا يحدث هنا؟

ويواجه الاقتصاد الهندي عاصفة شديدة؛ حيث يعاني من مزيج من العوامل الدورية والهيكلية التي تجعل الانتعاش صعباً بشكل مضاعف.

لكن الخبر السار هو أن السلوك الحديث للاقتصاد الهندي يخبرنا بأنه لم يعد اقتصاداً نامياً، فالهند تتصرف كاقتصاد متوسط الدخل. كان سلوك الاقتصاد على مدار العشرين عاماً الماضية يشبه إلى حد كبير الاقتصاد الرأسمالي، وهو الموضوع الذي يدرس في الكتب المدرسية في الاقتصادات المتقدمة. لا شك أن الحكومة تلعب دوراً إيجابياً وسلبياً في آن واحد، لكن الاقتصاد يتحرك بسلوك القطاع الخاص.

لكن الحقائق المريرة لا يمكن نسيانها. فقد عبر راجورام راجان، محافظ بنك الاحتياطي الهندي السابق، عن قلقه بشأن أرقام العجز المالي في الهند، مشيراً إلى أن هذا هو السبب المحتمل وراء تباطؤ الاقتصاد الهندي، وانتقد الحكومة بسبب قرارها الشعبوي الذي فشل في التركيز على النمو الاقتصادي. ففي كلمته أمام جمهور عريض خلال محاضرته في جيندال، قال راجان إن عدم اليقين المحيط بالرؤية الاقتصادية الشاملة للحكومة هو أحد الأسباب وراء تباطؤ الاقتصاد الهندي.

وقال راجان إن المشكلة الرئيسية للهند هي أنها لم تتمكن من اكتشاف "مصادر جديدة للنمو".

وسلط راجان الضوء على كثير من الأسباب وراء التباطؤ الأخير؛ لكنه أضاف أن "سحب العملة الخاطئ، وتطبيق ضريبة السلع والخدمات (GST) الذي يتم تنفيذه بشكل سيئ" قد قصما ظهر الاقتصاد الهندي، وأديا كذلك إلى انهيار الائتمان المصرفي في الظل العام الماضي؛ لأنهما جاءا في وقت كان فيه الاقتصاد الهندي ضعيفاً نسبياً.

وأضاف راجان أن حكومة مودي ركزت بشكل أكبر على الرفاهية العامة والتوزيع، بدلاً من التركيز على سبل النهوض بالنمو. في حين جرى الترحيب بمخططات الرعاية الاجتماعية التي قدمتها الحكومة، فقد تساءل راجان عن سبب تنفيذ مثل هذه الخطط في وقت كانت فيه الإيرادات تحقق نجاحاً كبيراً.

ومما زاد الطين بلة أن الرقم القياسي لشهر أغسطس (آب) للإنتاج الصناعي كان الأدنى في نحو سبع سنوات؛ حيث سجل نمواً سلبياً بلغ 1.1%.

وقالت شركة الخدمات المالية "نومورا" في تقرير بحثي حديث، إن النشاط الاقتصادي في شهر أغسطس من هذا العام كان أضعف من النشاط الاقتصادي الذي شوهد خلال الأزمة المالية العالمية في أواخر عام 2008.

ويشير ذلك إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الهند خلال شهري يوليو وسبتمبر (أيلول) سيكون أقل من 5%، كما يشير إلى أنه حتى التوسع بنسبة 6% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية الحالية يبدو صعباً. حتى بنك "أبيكس" الهندي، بنك الاحتياطي الهندي، ذكر في تقرير السياسة النقدية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 أيضاً، أن مزيجاً من الرياح المعاكسة المحلية والعالمية قد أضعف النشاط الاقتصادي في البلاد. ومن المحتمل أن يواجه الاقتصاد الهندي، الذي شهد مؤشرات تباطؤ خلال الأرباع القليلة الماضية، كثيراً من المخاطر على المدى القريب، وفقاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي الهندي.

وذكر التقرير أن "مزيجاً من الرياح المعاكسة المحلية والعالمية قد أدى إلى انخفاض النشاط الاقتصادي؛ خصوصاً فيما يتعلق بالطلب الكلي. لذلك فإن النظرة المستقبلية للاقتصاد الهندي محفوفة بكثير من المخاطر". وقال إن الاستهلاك الخاص، وهو الدعم الرئيسي للنشاط الاقتصادي، بدأ في التباطؤ لأسباب كثيرة.

وأضاف التقرير: "في هذا السياق، لا يزال أداء القطاعات الكبيرة المدرة للعمالة مثل السيارات والعقارات أقل من أن يكون مرضياً. فالتدابير الأخيرة التي بدأت مثل التخفيض الحاد في معدلات ضريبة الشركات، وصناديق الأصول المشددة لقطاع الإسكان، وصناديق الاستثمار في البنية التحتية، وتنفيذ نظام استرداد ضريبة السلع والخدمات الإلكترونية بالكامل، وأموال ضمان التصدير جميعها ستكون مفيدة".

كما ذكر التقرير أن نمو الائتمان المصرفي قد تباطأ، وانخفض إجمالي تدفقات الأموال إلى القطاع التجاري، وذلك بسبب العزوف عن المخاطرة وتباطؤ الطلب. ومع ذلك، قال تقرير السياسة النقدية أن إعادة الرسملة الأخيرة لمصارف القطاع العام تبشر بالخير لتحسين التدفقات الائتمانية، والتي تعتبر مهمة لإنعاش نشاط الاستثمار الخاص.

وقال التقرير: "في الوقت نفسه، أدت حالة عدم اليقين العالمية إلى إضعاف النشاط الاستثماري في الداخل. وقد تؤدي زيادة التوترات الحالية إلى التأثير سلباً على آفاق التصدير، إلى جانب تأخير زيادة الاستثمار".

ويعد ذلك مصدر قلق كبير للاقتصاد، بعد أن نما الاقتصاد بأبطأ وتيرة له منذ أكثر من ست سنوات في ربع يونيو (حزيران)، بعد تباطؤ حاد في طلب المستهلكين والاستثمارات الفاترة.

لقد نما الناتج المحلي الإجمالي للهند بنسبة 5% في الربع الأول من السنة المالية 2019 - 2020. كما خفض بنك الاحتياطي الأسترالي تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي للسنة المالية 2019 - 2020 إلى 6.1% مقارنة بالتقديرات السابقة البالغة 6.9%.

وكما أوضح أبهوجيت بنريجي الحائز على "جائزة نوبل" في الهند، فقد انخفض استهلاك الأسر منذ تولي رئيس الوزراء ناريندرا مودي منصبه في عام 2014. وهو أمر لم يحدث في سنوات كثيرة. فالأمر يبدو كما لو كنا في أسفل نقطة "كينزية"، ونصيحته أن يصل المال إلى أيادي الفقراء في الريف، ثم "نصلي".

وقال: "أعتقد أن حفنة من المال في أيدي ذوي الدخل المنخفض سوف تتسبب في زيادة الطلب". وقال خبير الاقتصاد عن قرار الحكومة الهندية بتخفيض ضريبة الشركات: "محاربة التباطؤ الاقتصادي بتخفيض ضرائب الشركات قد تكون وصفة خاطئة".

في 20 سبتمبر، قامت وزيرة المالية نيرمال سيترامان بتخفيض معدل الضريبة على الشركات للشركات والوحدات الصناعية الجديدة بنسبة 10 إلى 12 نقطة مئوية. كما قالت إن معدل الضريبة الفعلي للشركات المحلية، بما في ذلك الرسوم الإضافية، سينخفض من 34.94% إلى 25.17%، شريطة أن تتوقف عن الاستفادة من أي تخفيضات ضريبية أخرى.

وفي الوقت نفسه، قال موكيش أمباني، أغنى رجل في الهند، إن التباطؤ في الاقتصاد الهندي مؤقت، وإن الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة ستساعد على عكس الاتجاه في الفصول القادمة.

وفي حديثه في المنتدى السنوي للاستثمار في ة السعودية، قال إن الإصلاحات التي أجرتها حكومة مودي منذ أغسطس ستؤتي ثمارها في الفصول القليلة المقبلة.