اقتصاد أوروبا

حرائق أوروبا تتحول إلى أزمة اقتصادية مع تصاعد خسائر السياحة والزراعة والتأمين

موجات الحر والحرائق تضغط على قطاعات حيوية وتزيد المخاوف بشأن النمو والاستقرار المالي

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

لم تعد النيران التي تجتاح جنوب أوروبا مجرد أزمة موسمية تفرضها أشهر الصيف، بل أصبحت مؤشراً على تحول أعمق يفرض نفسه على الاقتصادات الأوروبية عاماً بعد آخر.

فبينما تكافح فرنسا وإسبانيا لإبعاد ألسنة اللهب عن المدن والقرى، تتسع دائرة الخسائر لتشمل السياحة والزراعة والصناعة والتأمين والمالية العامة، في مشهد يعكس أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية فحسب، بل تحد اقتصادي واستراتيجي يفرض نفسه على الحكومات الأوروبية، بحسب "رويترز"، ووكالة البيئة الأوروبية.

موجة حارة غير مسبوقة تلهب أوروبا وتكشف تهالك البنية التحتية في بريطانيا

وتتقدم الحرائق هذا الصيف بوتيرة غير مسبوقة، وفق تقارير "فرانس برس"، مدفوعة بموجات حرارة قياسية وجفاف طويل ورياح قوية، ما دفع عدة دول إلى تعبئة جيوشها والاستعانة بآلية الحماية المدنية الأوروبية، وسط تحذيرات من أن الأيام المقبلة قد تكون أكثر صعوبة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة.

اقرأ أيضاً
وزير المالية الفرنسي: حرائق الغابات "ضربة رعدية" للاقتصاد

بوردو أمام اختبار غير مسبوق

وفي فرنسا، باتت مدينة بوردو، التي تعد مركزاً اقتصادياً وسياحياً وأحد أهم أقاليم إنتاج النبيذ في العالم، على مسافة نحو 15 كيلومتراً فقط من النيران، بعدما أتت الحرائق على أكثر من 42 ألف هكتار في إقليم جيروند، وهو ما دفع السلطات إلى تنفيذ واحدة من أكبر عمليات الإجلاء المدني خارج ظروف الحرب، إضافة إلى إغلاق عشرات المخيمات السياحية والطرق المحيطة بالمنطقة.

إسبانيا.. موسم حرائق استثنائي

المشهد لا يختلف كثيراً في إسبانيا، حيث امتدت الحرائق عبر مدريد وأفيلا وطليطلة وكاستيون، وأتت منذ بداية العام على أكثر من 150 ألف هكتار، أي ما يعادل 6 أضعاف المساحات التي احترقت خلال الفترة نفسها من العام الماضي، فيما أجبر عشرات الآلاف على مغادرة منازلهم.

وأمام اتساع رقعة الحرائق، فعلت دول الاتحاد الأوروبي آلية الحماية المدنية، فأرسلت اليونان وإيطاليا طائرات إطفاء، فيما شاركت البرتغال وتركيا بفرق ومعدات لدعم جهود السيطرة على النيران، في مؤشر على أن الكارثة تجاوزت قدرات الدول المتضررة منفردة.

ظاهرة جديدة تزيد المشهد تعقيداً

ولم تعد فرق الإطفاء تواجه حرائق تقليدية، إذ تحدث مسؤولون فرنسيون عن تشكل ما يعرف بـ "السحب الرعدية النارية"، وهي ظاهرة تنتج عن الحرارة الشديدة للحريق، فتولد رياحاً وصواعق تشعل بؤراً جديدة وتغير اتجاه النيران بصورة مفاجئة، ما يجعل السيطرة عليها أكثر تعقيداً ويجبر فرق الإنقاذ على التركيز على حماية الأرواح والبنية التحتية بدلاً من إخماد الحريق بالكامل.

ويرى علماء المناخ أن تكرار هذه الظواهر يعكس تسارع تأثيرات التغير المناخي، بعدما أصبحت موجات الحر والجفاف أكثر طولاً وحدة مقارنة بالعقود الماضية.

الاقتصاد يدفع الفاتورة

وتكشف الحرائق أن الخسائر لا تتوقف عند الغابات والمنازل، إذ بدأت آثارها تمتد إلى قطاعات تمثل ركائز الاقتصاد الأوروبي، ففي ذروة الموسم السياحي، ألغيت رحلات وأغلقت مواقع سياحية ومخيمات، وهو ما يهدد قطاعاً يسهم بنحو عشر الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بصورة مباشرة وغير مباشرة، وفق بيانات المفوضية الأوروبية.

كما وصلت النيران إلى مناطق زراعية، بينما يزيد الجفاف من الضغوط على إنتاج المحاصيل، وهو ما يحذر البنك الأوروبي للاستثمار من أنه قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف الغذاء خلال السنوات المقبلة، مع استمرار الظواهر المناخية المتطرفة.

من التأمين إلى الصناعة

وتنعكس الحرائق أيضاً على قطاع التأمين، إذ تشير تقديرات معهد "Swiss Re Institute" إلى أن الكوارث الطبيعية أصبحت من أكبر مصادر الخسائر الاقتصادية عالمياً، ما يدفع شركات التأمين إلى إعادة تقييم المخاطر ورفع أقساط التأمين في المناطق الأكثر تعرضاً للحرائق.

وفي فرنسا، لم تقتصر الإجراءات على حماية التجمعات السكنية، بل شملت إقامة خطوط دفاع حول مواقع صناعية واستراتيجية في محيط بوردو، تضم منشآت لصناعات الطيران والدفاع والطاقة، خشية امتداد النيران إليها، وهو ما يعكس اتساع نطاق التأثير الاقتصادي للأزمة.

أوروبا أمام واقع جديد

وتشير تقديرات وكالة البيئة الأوروبية إلى أن الظواهر المناخية المتطرفة كلفت القارة أكثر من 790 مليار يورو بين عامي 1980 و2023، فيما يحذر البنك المركزي الأوروبي من أن تغير المناخ بات يشكل أحد أبرز المخاطر على الاستقرار المالي والنمو والاستثمار في منطقة اليورو.

وبينما تستمر المعركة لاحتواء النيران في فرنسا وإسبانيا، تتجه الأنظار إلى ما بعد انتهاء الحرائق، حيث سيكون التحدي الأكبر هو قدرة أوروبا على التكيف مع واقع مناخي جديد ترتفع تكلفته عاماً بعد آخر، ليس على البيئة فقط، بل على الاقتصاد بأكمله.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.