خاص ماذا لو سددت مصر كل ديونها؟.. سيناريو غير مسبوق لاقتصاد بلا أعباء
سيناريو "السداد أولاً".. مثالية أفلاطونية أم خيار قابل للتحقق؟!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
تبدو "ميزانية بلا ديون" خياراً بديعاً في المخيال العام، لكن خبرة الاقتصادات الحديثة تظهر أن الدين حين يدار بكلفة منخفضة وعلى آجال مناسبة يبقى أداة تمويلية لازمة للمشروعات العامة وسد الفجوات الموسمية، لا "عيباً" في ذاته. عند هذه النقطة، يصبح معيار الحكم هو الحجم والكلفة والاستدامة لا الوصول إلى "الصفر". بل ضبط الحجم والكلفة والملاءة بحيث لا تبتلع خدمة الدين مالية الدولة وتخنق النمو.
تضع تقديرات صندوق النقد الدولي (عبر قاعدة FRED) دين الحكومة العامة في مصر لعام 2025 عند نحو 84.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع مسار نزولي مقارنة بالذروة السابقة، ما يعني أن المجال الأصح هو خفض النسبة والكلفة لا إعلان "اللا دين" كغاية بذاتها.
صدمات أسعار الصرف والتضخم، كانت محفزاً سخياً لخيال عام يحلم بتخلص مصر من ديونها، فكلما اشتعلت أزمة إقليمية يطرح الكثيرون سيناريوهات تخيلية عن عروض لـ"سداد ديون مصر" مقابل تنازلات مصرية عن شيء ما، أو تحقيق مصر لبعض المطالب. ولكن هل التخلص من الديون يعد حلاً مثالياً بالأساس؟
ما الذي نعرفه بالأرقام؟
بلغ الدين الخارجي لمصر 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، مع بقاء 80% منه طويل الأجل وفق تقارير البنك المركزي المصري عن الوضع الخارجي للاقتصاد.
فيما تظهر تحليلات مستقلة أن فوائد الدين تستحوذ على نسبة مرتفعة من الإيرادات في موازنة 2025/2026، وأن الدين وخدمته يلتهمان قرابة "ثلثي الإنفاق"، بما يضيق حيز الإنفاق الاجتماعي والاستثماري.
في المقابل، حققت مصر فائضاً أولياً تاريخياً في 2024/2025 تراوح بين 3.5–3.6% من الناتج حسب بيانات حكومية رسمية، وبيانات جمعتها بنوك استثمار محلية، واطلعت عليها "العربية Business".
كما سجّل النمو عودة تدريجية، وهو ما وثقه بيان صندوق النقد الدولي الأخير الذي أقر اتفاقاً على مستوى الخبراء للمراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التمويل الموسع.
إذاً، هل يمكن أن تضع مصر "السداد أولاً" من دون أن تدفع ثمناً في النمو والوظائف؟
قبل أسبوع، كشف رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، عن أسباب استدانة الحكومة خلال السنوات الماضية، وبررها في العديد من الجوانب إلى احتياجات استثمارية قاعدية أو باختصار استثمارات ضرورية في البنية التحتية اللازمة لجذب الاستثمارات، سواء كان ذلك في شبكات الطرق أو محطات الكهرباء وغيرها.
في المقابل دفعت مصر ولا تزال تكلفة باهظة للتوسع في الاقتراض. وصفها مدبولي "بأنها كانت مدروسة لولا ظروف عالمية غير مواتية، فاجأت مصر وحتى العديد من الاقتصادات العالمية".
وقال مدبولي، إن خلال الفترة القليلة المقبلة ستنخفض الديون بشكل غير مسبوق وستصل لأدنى معدلاتها في 50 عاماًَ.
هبوط سريع يستغرق 24 شهراً
تركيز السياسة المالية على خفض الدين بسرعة قد يعني تشدداً مالياً، أي (تقييد الإنفاق العام غير الضروري، وخفض الاستثمارات منخفضة العائد)، ما يضغط على الطلب ويكبح النمو مؤقتاً إن لم يتزامن مع تسارع استثمار القطاع الخاص المرتبط ببرنامج الطروحات الحكومية ووضوح قواعد المنافسة.
رغم ذلك، تشير توقعات "بي إن بي باريبا" في يناير الماضي إلى نمو بنحو 4% في 2025، فيما قدر صندوق النقد الدولي التفاف الضغوط التضخمية وتراجع آثار صدمات النقد الأجنبي في بيانه الصادر في ديسمبر الجاري.
بينما قدر تحليل لمعهد "MEI" في شهر أغسطس الماضي، أن هبوط كلفة خدمة الدين وتحرير موارد للمجالات ذات عائد اجتماعي واقتصادي مرتفع مثل، التعليم، والصحة، وصيانة مرافق إنتاجية، يرفع النمو المحتمل ويُحسن الإنتاجية وثقة المستثمرين، شرط الإبقاء على فوائض أولية قوية واستمرار إصلاحات "تقليص بصمة الدولة" في السوق، وهو ما أكده البيان الأخير لصندوق النقد الدولي أيضاً الشهر الجاري.
لكن، ما الذي سيحدث لسعر الصرف؟
كل زيادة في الفائض الأولي وكل صفقة أصول كبيرة تقلص فجوة التمويل الخارجي وتدعم الاحتياطي، ما يمنح الجنيه دعماً هيكلياً ويحد من تقلبات سوق الصرف. بالفعل، سجل الجنيه تحسناً بنحو 6–6.5% مقارنة بذروته في 2024، على خلفية ارتفاع الاحتياطيات وتدفّقات السياحة والتحويلات.
على الجانب الآخر، فإن التيسير النقدي التدريجي يخفض كلفة خدمة الدين بالجنيه ويحفز الائتمان المنتج، لكن الإفراط في الخفض قد يعيد ضغوطاً على العملة؛ لذا يشدد صندوق النقد الدولي على إدارة حذرة لدورة الخفض لضمان استمرار مسار الهبوط في التضخم.
وفقاً لحسابات "العربية Business" فإن كل تراجع 100 نقطة أساس في تكلفة أدوات الدين المحلية قد يخفض ديون مصر بأكثر من 51 مليار جنيه، بالإضافة إلى انخفاض أكبر منه في تكلفة الديون الخارجية والبالغة نحو 162 مليار دولار.
استفادت مصر من تحسن سعر صرف الجنيه مقابل الدولار خلال العام الحالي، ما خفض تقييم الديون الدولية بأكثر من نصف تريليون جنيه، ومع استمرار تحسن سعر الصرف قد يحرر هذا المزيد من الأموال للموازنة المصرية أو على الأقل يحسن مؤشراتها الاقتصادية أكثر خلال العام المقبل.
المواطنون: هل يدفعون ثمن السداد… أم يحصدون عوائده؟
قد يضغط التشدد المالي السريع على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، ويتطلب تحصين شبكات الأمان (تكافل وكرامة، دعم نقدي مستهدف) مع تمرير تدريجي لأي إصلاحات أسعار طاقة أو خدمات حتى لا تتآكل الدخول الحقيقية للأسر.
خلال العام الجاري، كانت الحكومة المصرية محظوظة مع تراجع أسعار النفط وتحسن قيمة الجنيه، رغم الزيادات الكبيرة في أسعار المحروقات، إلا أنها يمكن أن تكون أنهت بالفعل ملف دعم الطاقة بشكل كبير، وقد يحمل العام المقبل مفاجآت سارّة للمصريين، بعودة النزول التدريجي للمحروقات، وتحول التضخم لرقم سالب. حتى مؤشر مثل هذا ليس جيداً اقتصادياً أن تتجه الأسعار للنزول، إذا يمكن أن يؤجل الاستهلاك لفترات طويلة.
لكن مع انحسار التضخم واستقرار سعر الصرف، تتحسّن القوة الشرائية وتقل كلفة الاقتراض على الأسر والمشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ فيما يتيح تراجع كلفة خدمة الدين وإعادة توجيه الإنفاق إلى خدمات عامة أفضل، وهي مكاسب تصب في رفاهية يصعب تحقيقها من دون تخفيف.
الاستثمار والاستهلاك
لإنهاء الديون، ستحتاج مصر إلى برنامج قوي وطموح لبيع الأصول و/أو الطروحات. بالفعل يوجد برنامج طروحات به مجموعة من الشركات الجاهزة والمملوكة لجهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، مثل "صافي" و"وطنية" و"سايلو فودز"، و"تشيل أوت".
يُفترض أن يفتح قطاعات أمام المستثمرين ويُقلّص مزاحمة الدولة، ويضخ سيولة في السوق، بشرط وضوح الجدول الزمني والحكم الرشيد في التسعير والحوكمة. البرنامج تأجل عدة مرات باستثناء مفاجآت بين الحين والآخر لصفقات لم تكن مدرجة في الأغلب ضمن البرنامج، إذ حصلت مصر أمس على 3.5 مليار دولار من صفقة تطوير منطقة "علم الروم" في محافظة مرسى مطروح من قطر. وتترقب استثمارات شبيهة في رأس شقير، ورأس جميلة، ومشروعات أخرى.
على جانب الاستهلاك، يتوقع أن انخفاض التضخم واستقرار العملة يعززان الاستهلاك الخاص تدريجياً، فيما الإنفاق الجاري للحكومة يتراجع أولاً لصالح خدمة الدين ثم يرتدّ مع هبوط الفوائد، وهو تحول لطالما طالبت به تحليلات الميزانية التي أشارت إلى تضخم نصيب الفوائد من الإنفاق العام.
الخلاصة أن مصر لن يكون الأنفع لها التخلص النهائي من الديون. فحتى الاقتصادات الأكثر انضباطاً تستخدم الدين كأداة لإدارة الدورة الاقتصادية وتمويل طويل الأجل.
المكسب الحقيقي ليس "الصفر"، بل أن تنخفض نسبة الدين وكلفة خدمته بحيث تتحرر موارد تعاد إلى التنمية البشرية والبنية الإنتاجية، ويتحول الدين إلى أداة مكملة لا عبئاً طاغياً.
-
شركات الذكاء الاصطناعي الصينية تقود الإدراجات في هونغ كونغ خلال ديسمبر
من المقرر أن تبدأ 10 شركات أخرى أعمالها في هونغ كونغ الشهر المقبل
أسواق المال -
صافي الاستثمار الأجنبي في السعودية يقفز 34.5% بالربع الثالث
وصل إلى 24.9 مليار ريال مقارنة بـ18.5 مليار ريال بالربع المماثل من 2024
اقتصاد -
الرئيس السوري يصدر قراراً جديداً حول استبدال العملة
بدء عملية استبدال العملة في الأسواق السورية غداً الخميس
اقتصاد