.
.
.
.

الاستثمار في الأسهم بين التركيز والتنويع

زياد الدباس

نشر في: آخر تحديث:

كوّن المستثمر البليونير الأميركي الشهير وارن بافيت (84 سنة)، معظم ثروته البالغة 67 بليون دولار، من الاستثمار في أسهم الشركات المساهمة، ليصبح ثالث أغنى أغنياء العالم بعد بيل غيتس وكارلوس سليم، وما زال يواصل نجاحاته واستثماراته في أسواق المال، علماً أنه كوّن 99 في المئة من ثروته بعد بلوغه الخمسين من عمره، وقدّم وما زال العديد من النصائح إلى المستثمرين في أسهم الشركات المساهمة العامة في مختلف أنحاء العالم، استناداً إلى خبراته ونجاحاته في الاستثمار في أسهم الشركات.

يشير في إحدى نصائحه على المستثمرين بأن يتذكروا عندما يشترون أسهماً في أي شركة، أنهم يشترون جزءاً من شركة فعلية، وأن سوق المال ليست شيئاً مهماً في حدّ ذاتها، بل ممثلة لشركة حقيقية لها وجود فعلي وتُتداول أسهمها في هذه السوق. ويؤكد أن أسهم الشركات القوية لا يمكن لها أن تتدهور في المدى الطويل بل ستزدهر وتنمو.

وينصح عند شراء أسهم أي شركة، بأن يأخذ المستثمر في الاعتبار أربعة أمور أساسية: الأول، اختيار الشركات التي يستطيع المستثمر فهمها وفهم طبيعة نشاطها، ما يسهّل عليه توقع أرباحها المستقبلية، والثاني، الشركات التي لها توقعات مستقبلية مبشّرة، والثالث الشركات التي يديرها أشخاص أكفاء وشرفاء ومتخصصون، والرابع الشركات التي تُتداول أسهمها في الأسواق المالية بأقل من قيمتها العادلة.

لا يعتمد الاستثمار في أسهم الشركات مطلقاً على العواطف، بل على العديد من الحقائق، منها طبيعة الشركة وتوقعات مستقبلها مع أهمية عدم حصر الانتباه بالسعر، بل الانتباه كذلك وفي شكل أكبر إلى قيمة الشركة، فالقيمة تحدّدها أعمال الشركات وقدرتها على المنافسة. وسياسة شراء الأسهم والاحتفاظ بها لفترة طويلة لا تجدي مع الشركات الضعيفة، ففي كثير من الأحيان يكون سجّل إنجازات الشركة في الماضي هو أفضل مؤشر الى إنجازاتها في المستقبل.

ويعتبر بافيت أن شراء أسهم الشركات الصاعدة الجديدة مغامرة من منطلق أن عصفوراً في اليد خير من 10 على الشجرة، أي من الأفضل أن تسعى إلى الربح الجيد المضمون بدلاً من الأرباح الضخمة غير المضمونة. وهكذا، لم يقبِل بافيت على الاستثمار في أسهم شركات الإنترنت والتكنولوجيا التي كانت أسعارها ترتفع في شكل غير طبيعي، في وقت كان المستثمرون والمضاربون في أسهم هذه الشركات يتجاهلون القيمة الحقيقية لهذه الشركات وأهدافها في المدى الطويل، وكان المستثمرون يشترون الأسهم معتمدين على حركة أسعارها في السوق بدلاً من قوة الشركة التي يمثّلها السهم.

وعندما يقرّر المستثمر الاستثمار في أسهم شركات مساهمة، عليه أن يبحث عن شركات كبرى يتولى إدارتها أشخاص أكفاء وذوو خبرة، فثمة أهمية لتقويم الفريق الذي يتولى الإدارة، فهل يعمل هذا الفريق لمصلحة المساهمين أم بهدف التربّح على حسابهم من خلال الرواتب والمكافآت والخيارات والمميزات الأخرى، فيثقل كاهل الشركات بنفقات غير ضرورية؟ وهل يعمل فريق الإدارة لتحسين قيمة الأسهم في السوق من أجل تعزيز قيمة حقوق المساهمين والتخطيط الرشيد لرأس المال؟ وهل يعامل فريق الإدارة المساهمين كشركاء أم غرباء منافسين؟ وهل يعمل فريق الإدارة لإصدار تقرير سنوي للشركة يتميز بالمصداقية والاستقامة أم بالغشّ والتلاعب وإخفاء معلومات مهمة وأرقام حقيقية؟

انهارت شركات عظمى مثل «إنرون» و «ورلدكوم» و «هيلث ساوث»، نتيجة الفوضى وعدم تحلّي الإدارة بالقيم الأخلاقية والقيادة غير النزيهة. لذلك، ينصح بافيت بالاستثمار لدى الإدارة والأشخاص الذين نثق بهم، مؤكداً أهمية وضع المستثمرين استراتيجية ومنهجاً في الاستثمار لجهة إجراء دراسات كافية على الشركات قبل شراء أسهمها، إضافة إلى متابعة الأسهم التي يملكها المستثمر في محفظته في شكل دوري، وعدم تجاهل النصائح الخاصة بالاستثمار في البورصة بغض النظر عن مصدرها. وينصح المستثمرين بعدم الانجراف في التيار السائد عند الشراء أو البيع، بل الاعتماد على النفس في اتخاذ هذه القرارات استناداً إلى التفكير المستقل، مشدداً على أهمية التحلّي بالصبر والانتظار حتى تحقّق الشركات قيمتها العادلة.

وأخيراً، ينصح بافيت المستثمرين بتقليل عدد الشركات التي يستثمرون فيها، بعكس نصيحة نسبة مهمة من خبراء الاستثمار ممن يحضّون على التنويع وعدم وضع كل البيض في سلة واحدة، أي امتلاك العديد من أسهم الشركات في كل القطاعات وفي وقت واحد. يعتبر بافيت هذا الأسلوب أو المنهج في الاستثمار غير سليم، بينما يرى أن التركيز على عدد محدود من أسهم الشركات المناسبة والأسهم المناسبة يطبق الفلسفة التي تقول أنه من الأفضل الاستزادة من الخيرات، وبالتالي ينصح بافيت المستثمرين عندما يقتنعوا بأداء فريق الإدارة لشركتين أو ثلاث من الشركات القوية، بالمبادرة إلى زيادة استثماراتهم فيها بدلاً من توزيع أموالهم على شركات أكثر.

في النهاية، لا بد للمستثمرين من التحلّي بالشجاعة، فكثير من استثمارات بافيت جرت أثناء أزمات اقتصادية، وفي أوقات كانت أحوال الشركات تبدو متدهورة، وكان الآخرون يخشون من الاستثمار وينتظرون مرور الأزمة. وهذا الانتظار غير المنصوح به يشبه ما يحدث حالياً في أسواق المال في المنطقة.

* نقلا عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.