.
.
.
.

هل تتخلى مصر عن الجنيه لمواجهة الفساد؟

نشر في: آخر تحديث:

في نوفمبر الماضي وبعد أيام قليلة من قيام مصر بخطوة تعويم الجنيه قامت الهند بخطوة مفاجئة بإلغاء تداول العملات الورقية النقدية بقيمة 500 و1000 روبية بهدف تضييق الخناق على الفساد المتفشي وانتشار العملة المزيفة في البلاد .

واليوم وبعد شهور قليلة من تعويم الجنيه وقيام الهند بهذه الخطوة الجريئة، ارتفعت الأصوات المطالبة باتخاذ خطوة مماثلة في مصر، ولكن ليس إلغاء بعض فئات العملة وإنما تغيير العملة المصرية.

ورغم أنه لا يوجد أي تصريح رسمي بهذا الشأن حتى الآن إلا أنه يتم مناقشة الأمر حاليا في مصر وكأنه حقيقة على وشك التنفيذ.

هذا بالطبع في ضوء تشكيل الرئيس عبدالفتاح السيسي المجلس القومي للمدفوعات بهدف خفض استخدام أوراق النقد خارج القطاع المصرفي، وتحقيق الشمول المالي بمعنى دمج أكبر عدد من المواطنين في نظام مصرفي واحد.

علما أن عدد المصريين الذين يمتلكون حسابات بنكية يصل إلى 13 مليون حساب من إجمالي 92 مليون مصري، أي بنسبة لا تتعدى 14%، وهي نسبة ضعيفة جدا علما أنه يوجد في مصر 39 بنكا بعدد فروع 3950 فرعاً. لذا يفضل المصريون أن يحتفظوا بأموالهم" تحت البلاطة" على وضعها في البنوك.

وهنا يجب أن نشير إلى رحلة الجنيه المصري الذي ولد شامخا، ولكن تدهور بمرور العصور عليه ليصل إلى أضعف حالاته حالياً. فقد صدر أول جنيه في مصر عام 1836، حيث طرح للتداول في الأسواق المصرية وحل محل العملة الرسمية المتداولة آنذاك وهي الذهب والفضة.

في 3 أبريل من العام 1899 أصدر البنك الأهلي المصري الأوراق النقدية لأول مرة وصدر الجنيه الورقي وكانت قيمته تساوي 7.4 غرام من الذهب، واستخدم هذا المعيار ما بين عام 1885 وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914، حيث تم ربط الجنيه المصري بالجنيه الإسترليني وكان الجنيه الإسترليني يساوي 0.9 جنيه مصري.

في 1962 تم ربط الجنيه بالدولار بسعر 2.3 دولار للجنيه، وفى 1973 وصل سعر الجنيه إلى 2.55 دولار.

وفي 1978 تراجع الجنيه ليصل إلى 1.48 دولار وبدأت رحلة الهبوط للجنيه مع تراجع الاقتصاد المصري، ليبلغ سعر الدولار في العام 1990 1.5 جنيه وفى عام 1991 بلغ سعر الدولار 3.3 جنيه.

وفي 1997 بلغ سعر الدولار 3.40 جنيه. غير أنه في العام 2001 حدد المركزي سعر الدولار بـ 3.85 جنيه ثم قفز إلى 4.5 جنيه واستمر حتى نهاية 2002 .

وفي 29 يناير 2003 صدر قرار تحرير سعر الصرف ووصل سعر الدولار الى 5.5 جنيه وحتى 6.25 جنيه وتراجع سعر صرف الدولار في 2004 ليصل الى 5.82 جنيه وواصل سعر صرف الدولار انخفاضه مجدداً أمام الجنيه، من مستوى 5.63 جنيه في أبريل 2009 إلى 5.48 جنيه في 2010 بسبب عودة معدلات النمو الاقتصادي إلى الارتفاع مرة أخرى.

بعد ثورة 25 يناير 2011 تدهور الجنيه حيث انخفض عام 2011 من 5.5 جنيه للدولار إلى 6.04 جنيه وحتى وصل في 2016 إلى مستويات رسمية 8.8 جنيه في حين قفز في السوق السوداء إلى 16 جنيها تقريبا. وكان قرار التعويم في نوفمبر 2016 ليهبط الجنيه الى مستوياته الحالية 18 جنيها للدولار.

ويرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن مصر تعاني من مشاكل كبيرة تتعلق بالاقتصاد غير الرسمي بل إنه يمكن القول ان المؤسسة الوحيدة المنظمة والممنهجة والمستقرة في مصر هي مؤسسة "الفساد".

وأوضح أن الحل الأمثل هو تفعيل الجهاز القومي للمدفوعات الذي يرأسه رئيس الجمهورية بنفسه، وقيامه بعدة خطوات تبدأ بتغيير شكل العملة لإجبار مئات المليارات من الجنيهات على الخروج من المنازل وإيداعها بالبنوك ومنع السحب منها إلا بضوابط، مشيرا إلى أن الهند اتخذت هذا القرار في نوفمبر الماضي، وتم "تعقيم" المعادل لـ 44 مليار دولار خلال أسبوعين فقط.

وسوف يصاحب ذلك بالطبع إصدار قوانين بتغليظ العقوبة ومنع السحب أو الإيداع من البنوك أو التعامل نقداً بما يزيد عن 10 آلاف جنيه مصري والاستعلام عن مصدر الكاش عند الإيداع والسحب.

وأوضح توفيق أن الموضوع ليس سهلاً ويجب دراسة كل توابعه بدقة مسترشدين بتجربة الهند منذ عدة شهور وليس كقرار التعويم، الذي صدر دون دراسة جيدة لتداعياته، مشيرا إلى أن هناك خطوات يجب اتباعها لتفادي المشاكل المصاحبة لهذا الإجراء، وقد يكون أهمها ما يتم فعلاً حالياً من تشجيع الأفراد وصغار المدخرين على فتح حسابات بنكية دون رسوم.

وتوقع أن تحدث مقاومة لهذا الإجراء لأن الفاسدين والمرتشين في مؤسسة الفساد لا حصر لهم، وآلاف البيوت مفتوحة من معتادي الرشوة، أو التهرب الضريبي على الأقل وهذا وحده قدرناه بما لا يقل عن 500 مليار جنيه سنوياً، مؤكدا أن بؤر الفساد هذه سوف يتم إغلاقها من دون رجعة إذا ما خلصت النية والرغبة الصادقة في الإصلاح.