.
.
.
.

الغاز الإسرائيلي: الأسس والسياسات

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

استطاعت إسرائيل أن تتقدم على الدول المجاورة في عمليات الاستكشاف والتنقيب عن الغاز الطبيعي، بحيث إنها بدأت الإنتاج من حقل «تامار» للاستهلاك الداخلي في آذار (مارس) 2013. كما أنها بدأت خلال الشهرين الماضيين، وفي المرحلة الأولى من تطوير صناعتها الغازية، توقيع اتفاقات لتصدير الغاز للدول والمناطق المجاورة، مثل الضفة الغربية والأردن، في خطوة للعب دور أساس في صناعة الغاز الإقليمية في شرق المتوسط. كما تسنّ في الوقت ذاته، القوانين اللازمة للتهيئة للمرحلة الثانية وهي توزيع الغاز داخلياً، من خلال تشييد شبكة وطنية. وتجري المفاوضات للاتفاق على مشروع للتصدير إلى أوروبا للمرحلة الثالثة.

لافت أن اسرائيل أقدمت على كل هذه المبادرات، على رغم الخلافات الداخلية حول الضرائب التي يتوجب فرضها على الشركات البترولية العاملة عندها، وأيضاً حول كمية الإمدادات التي سيتم تصديرها، والاحتياطات الواجب الحفاظ عليها بدلاً من تصديرها، والخلاف الحدودي مع لبنان حول المناطق المتنازع عليها. فهي لم تنتظر حل هذه الخلافات أولاً، للبدء في استكشاف الغاز.

تمكنت الشركات البترولية العاملة في إسرائيل حتى الآن من اكتشاف سبعة حقول غازية باحتياط مؤكد يبلغ حوالى 32 تريليون قدم مكعبة، واحتياط نفطي ضئيل جداً لا يتعدى 12 مليون برميل فقط، من غير المجدي إنتاجه اقتصادياً. أما بالنسبة لاحتياط الغاز، فهي كمية قابلة للاستثمار وإن كانت ضئيلة بالنسبة لاحتياطات الدول المصدرة. وقد انضمت شركة «وودسايد بتروليوم» الأسترالية أخيراً إلى الشركات العاملة في حقل «ليفايثان» العملاق. يذكر أن «وودسايد» هي أكبر شركة بترولية أسترالية، تملك شركة «شل» حصة مهمة من أسهمها. وقد اقتصر العمل في المياه الإسرائيلية حتى أواخر العام الماضي على شركة «نوبل إنرجي» الأميركية وشركائها من الشركات البترولية الإسرائيلية الصغيرة الحجم. وتمت هذه الاكتشافات كلها في المنطقة الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية التي تبعد 200 كيلومتر عن سواحل حيفا.

ربطت إسرائيل، كما هي العادة، سياستها الغازية بسياستها الأمنية. فبعد أشهر من النقاش بين السياسيين، تم تعيين لجنة مختصة تدرس النسبة من الإمدادات التي يمكن تصديرها. واقترحت اللجنة، ووافق مجلس الوزراء على الاقتراح القاضي بأن تكون هذه النسبة 40 في المئة من احتياطات كل حقل، والحفاظ على الـ60 في المئة المتبقية للاستهلاك الداخلي لفترة حوالى 25 سنة على الأقل. والسبب الرئيس وراء هذا القرار الذي أزعج الشركات هو أمني، إذ تحاول إسرائيل أن تتفادى استيراد الغاز مستقبلاً، خصوصاً من الدول العربية، أو من خلال دول عربية. أما بالنسبة للشركات فهي تحقق أرباحاً أكثر من خلال التصدير، ومن ثم عارضت تحديد نسبة عالية للاستهلاك الداخلي.

كذلك، اتفقت شركة «نوبل إنرجي» مع شركائها من الشركات الإسرائيلية، على تصدير حوالى 66 بليون قدم مكعبة من غاز حقل «تامار» للأردن بدءاً من عام 2016 ولمدة 15 سنة. ومن المفروض بدء التصدير حال الانتهاء من تشييد خط أنابيب جنوب البحر الميت القصير المدى لهذا الغرض. وذكر نائب رئيس شركة «نوبل» لشرق المتوسط كيث إليوت، أن الاتفاق مع الأردن «يشير إلى الفرص الإقليمية المتزايدة لغازنا الطبيعي».

ووقعت «نوبل إنرجي» الشهر الماضي عقداً مع شركة الكهرباء الفلسطينية لمدة 25 سنة بقيمة 1.2 بليون دولار، لتزويد محطة الكهرباء في جنين شمال الضفة الغربية بالغاز الطبيعي من حقل «ليفايثان»، والمحطة لا زالت قيد التشييد. ومن الملاحظ أن الغاز الذي سيتم تصديره إلى الضفة الغربية، اعتُبر من حصة إسرائيل نفسها، أي من الـ60 في المئة، ولم يعتبر تصديراً إلى الخارج. كما يلاحظ أن السلطة الفلسطينية وافقت على هذا الاتفاق، على رغم أن إسرائيل لا تزال تعارض تطوير حقل «غزة مارين» في مياه غزة والذي تبلغ احتياطاته حوالى تريليون قدم مكعبة، والذي من الممكن أن يزود محطات الكهرباء الفلسطينية بالغاز للسنوات القليلة المقبلة من دون الحاجة للاستيراد من إسرائيل.

كما تتفاوض إسرائيل لتصدير الغاز إلى تركيا، أو عبرها إلى أوروبا. وعلى رغم الخلافات حول قضية الباخرة «مرمرة» مقابل ساحل غزة، فقد استمرت المفاوضات مع أربع شركات تركية وشركة «نوبل إنرجي» وشريكاتها الإسرائيلية لتشييد خط أنابيب لهذا الغرض. وتدفع الولايات المتحدة العمل بهذا المجال. وعلى رغم أن السوق التركية متخمة بالغاز المستورد (من روسيا وآذربيجان وإيران بالأنابيب ومن الجزائر من طريق تسييل الغاز)، فهي تحاول باستمرار التعاقد مع مصدرين جدد، أملاً في خلق منافسة في ما بين المصدرين والحصول على أسعار أفضل، كما هو الأمر مع المحاولات الجارية لاستيراد الغاز من حكومة إقليم كردستان في العراق. يذكر أن إسرائيل تحاول التصدير إلى تركيا من أجل ولوج السوق المحلية، إضافة إلى التصدير إلى أوروبا، باستعمال تركيا معبراً من خلال أنابيب الغاز الممتدة من الشرق إلى الغرب، بحيث تغذي إسرائيل أحد هذه الأنابيب من دون حاجة إلى تشييد خط خاص بها.

وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن فرص نجاح التصدير إلى تركيا معتمدة إلى حد كبير على نجاح المفاوضات الحالية بين قبرص وتركيا لتوحيد الجزيرة، والتي لا تزال في مراحلها الأولية. كما تفاوضت إسرائيل خلال السنوات الماضية مع قبرص للمشاركة في تشييد مصنع مشترك لتسييل الغاز. وحاولت قبرص من جانبها توطيد علاقاتها الطاقوية مع إسرائيل في محاولة لإيجاد حليف إقليمي قوي لدرء الضغوط والتهديدات التركية عنها. أما الآن، ومع بدء الخطوات الأولى للمفاوضات القبرصية - التركية لإيجاد حل للمشكلة القبرصية، والتي تدعمها الولايات المتحدة، فإن كلاً من تركيا وإسرائيل يتطلع إلى إمكان تعزيز علاقاته الطاقوية في حال نجاح المفاوضات، التي لا زالت في مراحلها الأولية.

وتشكل المرحلة الثانية لتطوير صناعة الغاز الإسرائيلية، التخطيط لتشييد شبكة غاز وطنية لسد حاجات محطات الكهرباء والمصانع الكيماوية والبتروكيماوية. أما المرحلة الثالثة، فهي الاتفاق على مشاريع لتصدير الغاز إلى الأسواق الأوروبية.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.