.
.
.
.

بالأمس الصخري واليوم الكربون

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

هو ليس خلطا في المفاهيم عندما قلنا إن إنتاج النفط الصخري بالنسبة لمستقبل استنزاف ثرواتنا النفطية نعمة وليس نقمة، بل هو مجرد رأي قد يتفق معه البعض وقد ينكره البعض الآخر. والآن نسمع منْ يتخوفون من ضريبة الكربون المقترَحَة وتأثيرها على الطلب العالمي للنفط. ونرجو ألا يكون تركيزنا واهتمامنا على إنتاج النفط بأكبر كمية ممكنة، بدلا من أن نقنن الإنتاج ونبذل جهدا مضاعفا من أجل تنويع الدخل وإطالة عمر هذه الثروة الناضبة. فمن سلبيات اعتمادنا الكامل على مورد واحد كوننا نتخوف من ظهور منافس أو انخفاض في الطلب في الوقت الذي ربما نجد أنفسنا دون دخل يلبي الحد الأدنى من متطلبات حياتنا.

ومن اللافت للنظر أنك لا تجد اليوم بين شعوب دول الخليج منْ يهتم أو يلقي بالا لما نحن عليه من إسراف في الإنتاج وتضخم في الدخل على حساب المستقبل المجهول، إلا ربما نسبة ضئيلة ممن لديهم رؤية واقعية. فمثلنا اليوم كمثل الذين يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المستنفعين. وكل ما نحصل عليه مقابل التضحية بمستقبلنا ومستقبل أجيالنا هو المدح والتبجيل والتشجيع على الاستمرار، فنحسب أننا نحسن صنعا. ونرجو ألا يتهمنا أحد بأننا لا نبالي بمستقبل سلعتنا الوحيدة ولا يهمنا إن وجدنا لها مشترين أم ظلت مخزونة في مكامنها تحت الأرض. ففي واقع الأمر، نحن ندرك تماما أن العالم لن يستطيع الاستغناء عن المواد النفطية ما دام إنتاجها مجديا اقتصاديا. وإذا قدر الله ووجدنا مصادر جديدة تفوق المواد الهيدروكربونية كما ونوعا فذلك من فضل الله، ويصبح لكل حدث حديث. ولكن إياكم والوهم بأن ذلك على الأبواب فلا نبالي باستنزاف ثروتنا خوفًا عليها من البوار!

والذين يعوّلون على ضخامة إنتاج النفط الصخري، نقول لهم تمهلوا قليلاً فكل ما يقال عنه هو من باب التخمين والتوقعات وليس على أساس مثبت علميا. وقد ذكرنا في أكثر من مناسبة أن اقتصاديات إنتاج النفط والغاز الصخري في أمريكا لا يمكن بحال من الأحوال أن يماثل خارجها لأسباب جيولوجية ولوجستية وصعوبة في اكتساب الخبرة وتدريب القوى البشرية. مما قد يستدعي الاستعانة بالشركات والخبرة الأمريكية التي من المؤكد أنها ستكون أكثر تكلِفة من وجود العمل في أمريكا نفسها. ناهيك عن المصاعب التي تعانيها بعض الدول فيما يتعلق بالمؤثرات البيئية الناتجة عن عمليات التكسير الهيدروليكي والمقاومة الداخلية، وهو ما قد يقف عائقا دون نمو إنتاج الصخري أو يجعل الإنتاج غير مجدٍ اقتصاديا عند أسعار النفط الحالية. وهناك محاولات في استراليا والصين وأوروبا وغيرها من المواقع، ليس بالضرورة من أجل الإنتاج اليومي بل هو تقييم لمستقبل تكاليف إنتاج النفط والغاز الصخري. وقرأت أخيرا تقريرا يتحدث عن مستقبل إنتاج الصخري خلال الـ25 سنة المقبلة. ويتوقع التقرير أن يصل إنتاج الصخري 14 مليون برميل في اليوم في العام 2035. وهو استنتاج غريب. فليس لدينا معلومات كافية نستطيع من خلالها تقدير مجموع الإنتاج خلال العقود المقبلة. نحن نعرف أن الإنتاج الأمريكي من الصخري الذي يقترب الآن من أربعة ملايين برميل ربما يصل إلى قريب من خمسة أو ستة ملايين قبل نهاية العقد الحالي. والآراء مختلفة حول بلوغه الذروة آنذاك أو الاستمرار في الصعود. وهناك حقيقة لا مراء فيها، وهي أن أي ارتفاع في الأسعار عن المستوى الحالي سيزيد من فرص رفع كمية إنتاج الصخري.

وبالمنطق نفسه، نؤكد أن فرض ضريبة الكربون لا تعنينا في شيء. فأولا، من المستبعد، من وجهة نظرنا، أن يؤثر ذلك على كمية الاستهلاك العالمي لسبب بسيط، وهو أن الإمدادات النفطية الرخيصة بوجه عام ستتقلص بنسبة أكبر من أن تعوض عنها المصادر غير التقليدية. ناهيك عن تنامي الطلب العالمي بما يزيد عن مليون برميل سنويا. وثانيا، حتى ولو أثر ذلك على مجمل الطلب على المشتقات النفطية فلن يكون لذلك نتائج سلبية على اقتصادنا، بل سيكون دافعا قويا لنا من أجل العمل على تنويع الدخل وممارسة شيء من حياة التقشف المقبول قبل أن يفرض علينا قسرا. وما كان يجب علينا من الأصل أن نضع أنفسنا في المأزق الحالي الذي نعيشه اليوم. فكوننا نعتمد في كامل دخلنا على المصادر النفطية القابلة للنضوب، جعلنا دائما في حرج وتحت رحمة السوق النفطية.

هذا بالتأكيد وضع غير صحي ولا طبيعي. ويجب أن نفيق من غفوتنا وننبذ هذا التفاؤل المفرط بأن لدينا ثروة لا تنضب. لا، هي سوف تنضب وبأسرع مما نتصور ولن تفيدنا صحوتنا عندما يقع الفأس على الرأس. فنحن الآن ننتِج عشرة ملايين برميل في اليوم، بزيادة مليونين عن حاجتنا. مع العلم بأن اقتصادنا يعتمد على المداخيل النفطية. فلماذا نضطر إلى إنتاج مليونين دون حاجة؟ الأمر واضح وضوح الشمس. لأن السوق النفطية تتطلب ذلك. وبعد مدة قد لا تكون طويلة، ستتوسع حاجة السوق إلى مزيد من إنتاجنا. وهذا ليس في صالح مستقبل ثروتنا. إذًا، نحن بحاجة إلى روافد من مصادر أخرى أو أي عامل يساعد على كبح جماح الطلب حتى لا نضطر إلى مزيد من استنزاف نفطنا. الكثيرون لا يستوعبون هذه الحقيقة ولا تزال في مخيلتهم أننا نتمنى ارتفاع الطلب كما لو كنا نعيش عصر الستينيات والسبعينيات. يجب أن يكون هدفنا اليوم تنويع الدخل بشتى الوسائل والطرق وتقليل اعتمادنا على المداخيل النفطية مهما كانت الظروف، فهما الضمان الحقيقي لمستقبل مشرق. وحتى نكون واقعيين، فذلك لن يتحقق في الوقت الذي يفوق فيه دخلنا الرخيص "المؤقت" وفوائضه المالية الكبيرة ما تحتاج إليه ميزانية الدولة السنوية المتنامية.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.
http://www.aleqt.com/2014/08/10/article_875053.html

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.