.
.
.
.

أزمة تدهور النفط بنيوية

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

تتعدد الأسباب وراء انهيار أسعار النفط، وواضح أنه يؤثر سلباً في الدول المنتجة وإن في شكل متفاوت بين دولة وأخرى. ويُعتبَر اعتماد الدول المنتجة خلال نصف قرن تقريباً على عائدات النفط بنسبة 80 - 90 في المئة من موازناتها السنوية أساس المشكلة. وكرر خبراء النفط والاقتصاد العرب وكثر من الوزراء منذ عقود، التشديد على خطورة الاعتماد على مصدر واحد لدخل الماليات العامة، وحضوا على تنويع الاقتصاد من زراعة وصناعة وخدمات، خصوصاً أثناء الطفرات النفطية، لكن ما جرى في هذا المجال بقي خجولاً بسبب عدم تقبّل السياسيين مبادئ اقتصادية أساسية وعدم استعدادهم لاتخاذ قرارات صعبة، فصناعة النفط، كغيرها من الصناعات، تعرف فترات انتعاش وانتكاس، وخطأ الاعتقاد بأن أسواق النفط ستبقى في حال جيدة دائماً.

يضع كثير من الدول المنتجة الموازنات السنوية اعتماداً على أعلى مستوى سعري متوقع للنفط، ولا تعتمد سعراً أكثر واقعية أو أقل من المتوقع لتدخر أموالاً للأيام الصعبة. وشُرِّعت بنود ذات تكاليف باهظة ومتزايدة في الموازنات السنوية يصعب تقليصها أو حذفها من دون التسبب بهزات سياسية، تتعلق خصوصاً برواتب موظفي الدولة ومعاشاتهم التقاعدية، ما يعني أن السبيل الوحيد لتقليص الموازنات أثناء الأزمات، كالأزمة الراهنة، هو الحفاظ على هذه النفقات وإلغاء بنود الإنفاق على المشاريع المنتجة من استثمارات وبنى تحتية.

وهناك أيضاً ثمــن اقتصادي يجب دفعه نتيجة الاضطرابات الســياسية، بما فيها الحروب الداخلية والإقليــمية، ناهيك عن العقوبات الدولية التي طاولت في حالة دول شرق أوسطية (إيران والعراق وليبيا وسورية) القطاع النفطي فأضعفته، فيما حاولت الدول المتضررة في بادئ الأمر التهوين من المقاطعة بأنها لن تستطيع إيقاف الإنتاج. لكن المشكلة تمثلت في تقليص الطاقة الإنتاجية، الأمر الذي دفع بدول منتجة أخرى إلى زيادة طاقتها الإنتاجية للتعويض عن النقص الطارئ في الإنتاج العالمي وموازنة العرض والطلب ومنع حصول شح في الأسواق ومن ثم زيادة عالية وسريعة في الأسعار.

وبادرت دول منتجة إلى إنفاق عشرات البلايين من الدولارات لزيادة طاقاتها الإنتاجية، فيما حاولت الدول المتضررة من العقوبات بعد رفعها إعادة طاقاتها الإنتاجية إلى ما كانت عليه في عمليات تتطلب سنوات. هذه التطورات أوجدت معضلة في «أوبك» على صعيد تحديد حصص الإنتاج للدول الأعضاء، فالدول التي زادت قدراتها الإنتاجية تطالب بحصص إنتاجية أعلى، في حين تطالب الدول الأخرى بعدم تقييدها بحصص محددة إلى حين استعادة قدراتها السابقة.

لكن الأمر الأهم الذي واجهته «أوبك» خلال 2014، هو الصعود السريع والكبير لإنتاج النفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة، أهم سوق استهلاكية للنفط والغاز في العالم، إذ وصل إنتاج النفط الصخري إلى نحو 4.5 مليون برميل يومياً. ولم تتقيد الولايات المتحدة بمعدلات إنتاجية معينة، فهي ليست عضواً في «أوبك» وغير مضطرة لتحديد سقف إنتاجي. وبلغت الاستثمارات في هذه الصناعة الجديدة نحو 200 بليون دولار عام 2013.

هذه ليست المرة الأولى التي تواجهها «أوبك» على صعيد زيادة الإنتاج من دول خارج المنظمة، فخلال الثمانينات ازداد الإنتاج من دول غير أعضاء في المنظمة، وقررت «أوبك» حينئذ زيادة الإنتاج على رغم الزيادة من خارجها، فانهارت الأسعار في نهاية العقد. لكن الأمر يختلف الآن. فالنفط الصخري يشكل ثورة في الصناعة العالمية، إذ إن احتياطاته أعلى بكثير من احتياطات بحر الشمال، كما يتوافر في دول كثيرة، خصوصاً الصين، حيث تفوق الاحتياطات نظيرتها في الولايات المتحدة. ومن الممكن جداً أن يشكل النفط الصخري في حال توسع إنتاجه تحدياً طويل الأمد للنفط التقليدي، على عكس نفط بحر الشمال.

والتحدي الذي تواجهه «أوبك» متعدد الأوجه والآثار، فهناك أيضاً نفط أعماق البحار، المتوافر في دول مثل البرازيل، أو في مناطق نائية بعيدة جداً عن مناطق الاستهلاك في دول مثل روسيا. لكن رغم ازدياد الإمدادات من هذه المصادر، تبقى كلفة الإنتاج عالية (ما بين 50 - 70 دولاراً للبرميل) مقارنة بكافة إنتاج نفط «أوبك»، خصوصاً في دول الخليج والعراق (5 - 10 دولارات للبرميل). وتساعد الأسعار العالية (نحو 100 دولار للبرميل) النفوط غير التقليدية في تحقيق أرباح عالية والاستمرار في جذب الاستثمارات وبالتالي منافسة نفوط «أوبك» في عقر أسواقها.
إن عدم موافقة الدول المنتجة الكبرى خارج «أوبك» على التنسيق مع المنظمة في خفض الإنتاج دفع السعودية ومجلس وزراء المنظمة إلى اتخاذ قرار جماعي بعدم خفض الإنتاج لعدم استعداد دول المنظمة لخسارة حصصها في السوق لمصلحة دول منتجة ذات أكلاف إنتاجية عالية.

وبرزت أسئلة عن السبب في الصراع على حصص السوق، فهل يعود إلى ضغوط سياسية، خصوصاً على إيران أو روسيا، أو إلى أسباب اقتصادية ذات علاقة بحتة بأساسيات صناعة النفط؟ واضح لمتتبع صناعة النفط أن السبب هو اقتصادي، وأن له آثاراً جانبية على دول منتجة مثل إيران وروسيا. ولخفض الأسعار انعكاسات على الدول المصدرة، الخليجية وغيرها، وهناك دول تتأثر أكثر من غيرها، فالوضع في فنزويلا، مثلاً، صعب جداً، وربما أصعب مما هو في روسيا أو إيران، والسبب في ذلك هو الوضع الاقتصادي العام المتردي في البلاد، بالإضافة إلى عدم تمكن فنزويلا من زيادة إنتاجها للتعويض عن انخفاض الأسعار.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.