.
.
.
.

الطلب على الخام يتنامى.. ولكن ليس بالسرعة الكافية

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

على الرغم من أن أسعار النفط لم تنخفض دون 100 دولار للبرميل حتى أوائل شهر أيلول (سبتمبر)، أي قبل خمسة أشهر فقط، إلا أن الاستجابة من جانب العرض ونشاط التنقيب في بعض مناطق العالم كانت سريعة. حيث انخفض عدد الحفارات العاملة في الولايات المتحدة بأكثر من الثلث بين أواخر شهر تشرين الثاني (نوفمبر) وأوائل شباط (فبراير). ليس من المستغرب في ضوء هذا التراجع في عمليات الحفر تقلص نمو إمدادات الولايات المتحدة إلى 30 ألف برميل في اليوم فقط في شهر كانون الثاني (يناير)، بانخفاض كبير عن معدل النمو الشهري لعام 2014 البالغ أكثر من 100 ألف برميل في اليوم.

من ناحية الطلب، تعد استجابة استهلاك النفط للتغيرات الرئيسة التي تطرأ على الأسواق أبطأ من العرض، لكن في نهاية المطاف يتنامى الطلب بعد الانخفاضات الحادة في الأسعار. إذا ما كان العرض ينكمش بما يتماشى مع النظرية الاقتصادية التقليدية، السؤال هنا: هل سوف يستجيب الطلب بشكل متساوٍ إلى هذه الإشارات القوية من الأسعار، ما قد يمهد الطريق في نهاية المطاف للصناعة للعودة إلى المسار السليم للنمو؟ هناك بعض الأسباب المهمة التي تستدعي الإجابة بلا.

لنبدأ أولا من الولايات المتحدة، التي يفترض أن تكون في الوقت الراهن المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي العالمي. يمثل قطاع النقل والمواصلات نحو 70 في المائة من الطلب على النفط في الولايات المتحدة، تتطلب المعايير الفيدرالية لاستهلاك وقود السيارات مضاعفة الكفاءة على مدى السنوات العشر المقبلة، من نحو 25 إلى 30 ميلا للجالون الآن إلى 35.5 بحلول 2016 وإلى 54.5 ميلا للجالون بحلول عام 2025، الهدف الرئيس هو خفض استخدام الوقود أي النفط. يمكن أن يحد انخفاض أسعار النفط من هذا التأثير إلى حد ما من خلال تشجيع المزيد من الاستهلاك.

من ناحية أوروبا واليابان، كان الطلب على النفط فيهما راكدا بشكل مزمن منذ سنوات، وليس من المتوقع أن يحدث أي تغيير في هذا الاتجاه، نظرا للضرائب العالية المفروضة على الوقود والتركيز المجتمعي الكبير على تحسين الكفاءة والحفاظ على البيئة. قد يصبح حال الولايات المتحدة مماثلا في المستقبل.

ولكن ماذا عن الصين؟ هل ينمو الطلب على النفط فيها بقوة مرة أخرى كما فعل خلال السنوات العشر الماضية؟ مرة أخرى الإجابة ربما لا. الاستهلاك الصيني يرتفع الآن بنحو نصف معدل النمو الاقتصادي الحالي، حيث يتحول تركيز النمو لصناع القرار في الصين إلى الاقتصاد المحلي الخدمي بدلا من الصادرات الكثيفة الاستهلاك للطاقة، ويحتل موضوع الكربون والحد من التلوث أولوية في التخطيط أيضا. في حين أن عديدا من الاقتصاديات الآسيوية الأخرى تستفيد من انخفاض أسعار النفط في خفض الدعم، بحيث لا يشعر المستهلكون بصورة كبيرة بتراجع الأسعار. كما أن ارتفاع قيمة الدولار أمام العملات الأخرى، حيث يتم تسعير النفط بموجبه، يحجب الفوائد التي تعود على المستهلكين الآسيويين.

في الوقت نفسه، النمو السريع الذي شهدته مصادر الطاقة المتجددة وغيرها من مصادر الطاقة غير الأحفورية في السنوات الأخيرة، يقوض حصة النفط بطرق قد لا تكون واضحة للعيان على الفور. يمكن القول إن مشكلات نمو الطلب على النفط تعود جميعها إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما فقد النفط حصته في قطاع توليد الطاقة، الذي يعد القطاع الأكثر نموا في الطلب على الطاقة بشكل عام. حيث إن معدلات نمو الطلب على النفط في السنوات التي سبقت عام 1973 كانت تراوح عادة بين 7 و8 في المائة سنويا. لكن منذ ذلك الحين، نادرا ما تجاوز نمو الطلب 3 في المائة سنويا.

يمكن أن يصبح قطاع توليد الطاقة عاملا مهما في تحديد مصير الطلب على النفط في المستقبل. حيث إن شركات صناعة السيارات تدفع بشكل متزايد باتجاه السيارات الهجينة وحتى نحو تلك التي تعمل بالكامل بالكهرباء. إن قطاع الكهرباء يخترق تدريجيا قطاع النقل بصورة غير مباشرة، الذي يعد واحدا من القطاعات القليلة التي لا يزال النفط مهيمنا عليها. في الواقع لا تزال حصة الكهرباء في قطاع النقل قليلة جدا أو قد لا تذكر، ولكن كان هذا واقع الطاقة المتجددة في قطاع توليد الطاقة قبل بضع سنوات، والآن لهذه المصادر تأثيرات كبيرة غير مباشرة على آفاق النمو للنفط أيضا.

قطاع الصناعة التحويلية هو الآخر يحاول تقليص الاعتماد على النفط. لو نأخذ صناعة البلاستيك مثلا، وهي صناعة ليس لها علاقة مع مصادر الطاقة المتجددة. حتى لو ارتفع الطلب العالمي على المنتجات البلاستيكية بقوة في المستقبل، خاصة في الصين، فإن النفط قد لا يستفيد كثيرا. حيث إن قطاع الصناعة البتروكيماوية في الصين يتطلع بشكل متزايد إلى استخدام الفحم بدلا من النفط كمادة خام أساسية للمواد البلاستيكية. في هذا الجانب تشير توقعات شركة البترول الوطنية الصينية إلى أن نصف طاقات الإثيلين التي ستضيفها الصين حتى عام 2020 سوف تكون معتمدة على الفحم. في الوقت نفسه، أدى انخفاض أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة إلى انتعاش الصناعات البتروكيماوية فيها. كما أن انخفاض أسعار النفط قد لا يحسن من موقفه التنافسي، حيث يشهد الغاز والفحم على ما يبدو ارتفاعا مزمنا في العرض وأيضا انهيارا في الأسعار. يعود جزء كبير من السبب في ذلك إلى النجاحات التي حققتها مصادر الطاقة المتجددة في قطاع توليد الطاقة.

إن جميع هذه التدخلات معقدة وربما أيضا قد لا تحدث كما هو متوقع. ولكن تظل الحقيقة أن الذين يتوقعون تناميا كبيرا في الطلب على النفط نتيجة لانخفاض الأسعار عليهم أن يقدموا سيناريو معقولا عن مصدر هذا النمو. في هذا الجانب، أعرب عديد من المسؤولين والشخصيات في الصناعة النفطية عن قلقهم من أن استهلاك النفط قد لا يرتفع كثيرا في المستقبل نتيجة التركيز المتزايد على قضية تغير المناخ.

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.